برنامج الدين والناس

تقرير خاص

قضايا نسائية

مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬على‭ ‬محك‭ ‬أصوليّتين

خلدون الشمعة، كاتب وروائي سوري

في‭ ‬الكلام‭ ‬السائد‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬التباسات‭ ‬أود‭ ‬بادئ‭ ‬ذي‭ ‬بدء‭ ‬أن‭ ‬أوجزها‭ ‬في‭ ‬أربعة‭:‬

الأول،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬دعوة‭ ‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬مازال‭ ‬معياريا‭ ‬وليس‭ ‬وصفيا‭. ‬والمفهوم‭ ‬المعياري‭ ‬كما‭ ‬نعلم‭ ‬يتصل‭ ‬بالقيم‭ ‬التي‭ ‬يعبّر‭ ‬عنها‭ ‬بأفعال‭ ‬يجب‭ ‬وينبغي‭ ‬ويتعين‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬بوصفها‭ ‬مسألة‭ ‬اجتماعية‭ ‬بحتة،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬قيم‭ ‬ذات‭ ‬محمول‭ ‬ديني‭ ‬وعاطفي‭.‬‭ ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فإنها‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحيلنا،‭ ‬شئنا‭ ‬أم‭ ‬أبينا،‭ ‬إلى‭ ‬أصوليات‭ ‬مرجعية‭ ‬نصية‭ ‬لاهوتية‭ ‬ويقينية‭.‬

وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬فإنها‭ ‬تتسم‭ ‬بقداسة‭ ‬وممانعة،‭ ‬وتشير‭ ‬إلى‭ ‬حقائق‭ ‬ناجزة‭ ‬ومقطوع‭ ‬بصحتها‭.‬

إن ‬مشروع‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬السائد،‭ ‬بسبب‭ ‬من‭ ‬محموله‭ ‬القداسي‭ ‬في‭ ‬الأصولية‭ ‬الدينية،‭ ‬والعاطفي‭ ‬في‭ ‬الأصولية‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬المفاهيم‭ ‬الوصفية‭ ‬التي‭ ‬تحسن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الحقائق‮»‬‭ ‬و‮»‬القيم‮»‬. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬بشقيه‭ ‬الديني‭ ‬والقومي‭ ‬أو‭ ‬الماركسي،‭ ‬يخلق‭ ‬بذلك‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التماهي‭ ‬بين‭ ‬الحقائق‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬قابلة‭ ‬للنقض‭ ‬أو‭ ‬التفكيك‭ ‬أو‭ ‬البرهان‭ ‬وبين‭ ‬القيم‭ ‬العاطفية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحيل‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬مرجعيتها‭ ‬النصيّة‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنها‭ ‬تظل‭ ‬ممتنعة‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬جدل‭ ‬أو‭ ‬جدال‭.‬

وتكمن‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬أحاديا‭ ‬ينكر‭ ‬التعددية. ‬فهو‭ ‬خطاب‭ ‬تحريك‭ ‬وتبشير‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خطاب‭ ‬سلطة‭ ‬لاهوتية‭ ‬مسبق‭ ‬الصنع. ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬سياسي‭ ‬يستخدم‭ ‬لفرض‭ ‬أخطر‭ ‬أنواع‭ ‬الرقابة‭ ‬وأشدها‭ ‬توقا‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬قمع‭ ‬الرأي‭ ‬الآخر‭.‬

الثالث،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تكوين‭ ‬مفهوم‭ ‬عقلاني‭ ‬للتحرر‭ ‬النسوي،‭ ‬مازال‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مرور‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬غائبا‭ ‬أو‭ ‬شبه‭ ‬غائب‭ ‬عن‭ ‬ميدان‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬العربية‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬ربع‭ ‬القرن‭ ‬الأخير‭ ‬شهد‭ ‬بروز‭ ‬المرجعية‭ ‬النصية‭ ‬الدينية،‭ ‬بحدودها‭ ‬المرنة‭ ‬والمتشددة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مرجعية‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬السائد‭ ‬حول‭ ‬المرأة،‭ ‬دينيا‭ ‬كان‭ ‬أم‭ ‬قوميا‭ ‬أم‭ ‬ماركسيا‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الالتباسات‭ ‬الثلاثة‭ ‬يكمن‭ ‬التحول‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي،‭ ‬وهو‭ ‬تحول‭ ‬اعتُبر‭ ‬ضربا‭ ‬من‭ ‬‮«‬النوستالجيا‭ ‬الجماعية‮»‬‮ ‬‭(‬1‭)‬‮ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬العالم‭ ‬وفق‭ ‬وحدات‭ ‬أبسط‭ ‬وأقل‭ ‬تعقيدا‭.‬

ما‭ ‬أسباب‭ ‬هذا‭ ‬التحول؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬إنجاز‭ ‬مشروع‭ ‬التحديث‭ ‬بدون‭ ‬البضاعة‭ ‬الفكرية‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬لازمته‭ ‬والتي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬عصر‭ ‬الأنوار؟

هل‭ ‬يمكن‭ ‬التحديث‭ ‬دون‭ ‬تغريب؟

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬ظل‭ ‬مطروحا‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬منذ‭ ‬الأفغاني‭ ‬ومحمد‭ ‬عبده‭ ‬وقاسم‭ ‬أمين‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

ثم‭ ‬ما‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬وصل‭ ‬إليها‭ ‬مشروع‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي؟‭ ‬لعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬انحسار‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬لعبته‭ ‬العلمانية‭ ‬بصيغها‭ ‬القصوى‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬المجتمع‭ ‬المدني‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تمليه‭ ‬ضرورات‭ ‬العولمة‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬حلّ‭ ‬الآن‭ ‬محلّ‭ ‬العلمانية‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬ارتفاع‭ ‬وتيرة‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي. ‬وخير‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬فيه‭ ‬الخطاب‭ ‬النسوي‭ ‬يستمد‭ ‬مرجعيّته‭ ‬من‭ ‬نصية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تمتّ‭ ‬إلى‭ ‬النصيّة‭ ‬الدينيّة‭ ‬بصلة‭ ‬مباشرة‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تحاول‭ ‬إيجاد‭ ‬المبررات‭ ‬لهيمنة‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬الديني،‭ ‬المقدمة‭ ‬التي‭ ‬كتبتها‭ ‬باحثة‭ ‬جادة‭ ‬هي‭ ‬الدكتورة‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬للطبعة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬من‭ ‬كتابها: ‬‮‬ The‭ ‬Hidden‭ ‬Face‭ ‬of‭ ‬Eve‮«‬‬» فهي‭ ‬تقول‭ ‬فيها‭ ‬بالحرف‭:‬

«‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬نضال‭ ‬تواجهه‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالفكر‭ ‬الحر‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الإيمان‭ ‬الديني،‭ ‬أو‭ ‬بالحقوق‭ ‬النسوية‭ ‬كما‭ ‬تفهم‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬أحيانا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الشوفينية‭ ‬الذكورية‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬النضال‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬التصدّي‭ ‬لبعض‭ ‬المظاهر‭ ‬السطحية‭ ‬لخصائص‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬النامي‭ ‬والغنيّ‭.. ‬إن‭ ‬النضال‭ ‬الذي‭ ‬يُخاض‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬محاولة‭ ‬لضمان‭ ‬قيام‭ ‬الشعب‭ ‬العربي‭ ‬بالتخلص‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬وإلى‭ ‬الأبد‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬أشكال‭ ‬السيطرة‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬المصالح‭ ‬الرأسمالية‮»‬‮‬‭(‬2‭)‬‭.‬

دلالة‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬هي‭ ‬تأجيل‭ ‬القيام‭ ‬بمشروع‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬حتى‭ ‬إشعار‭ ‬آخر.. ‬وربطه‭ ‬تحديدا‭ ‬بإنجاز‭ ‬مشروع‭ ‬كبير‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للإنجاز‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬عقود‭ ‬وعقود،‭ ‬وتعني‭ ‬الكتابة‭ ‬عنه‭ ‬حلم‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬الرأسمالية‭.‬

ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬بالذات‭ ‬فإنها‭ ‬تتجنب‭ ‬الاعتراف‭ ‬بوجود‭ ‬مجابهة‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬مبدأ‭ ‬التعددية‭ ‬وبين‭ ‬الفكر‭ ‬المتحرر‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬الواحدية‭ ‬النصية‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬تصف‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬نفسه‭ ‬التعذيب‭ ‬الجسدي‭ ‬والنفسي‭ ‬الذي‭ ‬عانت‭ ‬منه‭ ‬عندما‭ ‬أجريت‭ ‬لها‭ ‬عملية‭ ‬ختان‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬السادسة،‭ ‬وما‭ ‬تبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عواقب‭ ‬لازمتها‭ ‬طيلة‭ ‬حياتها‭ ‬الجنسية‭ ‬فإنها‭ ‬تعلن‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الطبعة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬وأوروبا‭ ‬يسارعن‭ ‬إلى‭ ‬إثارة‭ ‬الضجيج‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬ضحية‭ ‬الختان،‭ ‬وأنهن‭ ‬يكتبن‭ ‬المقالات‭ ‬الطوال‭ ‬ويلقين‭ ‬الخطب‭ ‬في‭ ‬المؤتمرات. ‬تقول‭ ‬‮«‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬إدانة‭ ‬ختان‭ ‬البنات.. ‬أنا‭ ‬ضد‭ ‬الختان‭ ‬والممارسات‭ ‬الرجعية‭ ‬القاسية‭ ‬الأخرى،‭ ‬ولكنني‭ ‬أختلف‭ ‬مع‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬وأوروبا‭ ‬اللواتي‭ ‬يركزن‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬كختان‭ ‬الفتيات‭ ‬ويعتبرنها‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬القمع‭ ‬الهمجي‭ ‬الذي‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬الأفريقية‭ ‬والعربية‭ ‬فقط‮»‬‭(‬3‭)‬‭.‬

هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬الاعتذاري‭ ‬الذي‭ ‬يبرر‭ ‬تجاهل‭ ‬ظاهرة‭ ‬ختان‭ ‬المرأة‭ ‬واعتبار‭ ‬حلها‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬واحد‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬تجنب‭ ‬نشر‭ ‬الغسيل‭ ‬الوسخ‭ ‬أمام‭ ‬أعين‭ ‬الأجانب‭ ‬يبرر‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬ممارسات‭ ‬قبيحة‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الاعتراض‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬وصف‭ ‬المجتمع‭ ‬الهمجي‭.‬

وفي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬مقدمة‭ ‬الكتاب‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية. ‬إنها‭ ‬انفجار‭ ‬شعبي‭ ‬يسعى‭ ‬لتحرير‭ ‬شعب‭ ‬إيران‭ ‬رجالا‭ ‬ونساء،‭ ‬وعدم‭ ‬إرسال‭ ‬النساء‭ ‬إلى‭ ‬سجن‭ ‬الحجاب‭ ‬والمطبخ‭ ‬وغرفة‭ ‬النوم‮»‬‭.‬

تعلق‭ ‬مراجعة‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬بقولها‭ ‬‮«‬إن‭ ‬بوسع‭ ‬المرء‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭ ‬أن‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الحقائق‭ ‬لسوء‭ ‬الحظ‭ ‬تناقض‭ ‬تأويل‭ ‬سعداوي‭ ‬للإسلام‮»‬‮‬‭(‬4‭)‬‭.‬

لا‭ ‬يعنينا‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬هذه‭ ‬الطروحات‭ ‬أنها‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬مختلفة‭ ‬إزاء‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬إزاء‭ ‬الدين‭ ‬عموما‭ ‬أو‭ ‬جواز‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬جواز‭ ‬نشر‭ ‬بضاعتنا‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬قصور‭ ‬فيما‭ ‬حققته‭ ‬حركة‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي،‭ ‬وإنما‭ ‬يعنينا‭ ‬دلالتها‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬تحول‭ ‬خطير‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬عقيرة‭ ‬الخطاب‭ ‬الاعتذاري‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬همه‭ ‬تأجيل‭ ‬الدفع‭ ‬بحركة‭ ‬تحرر‭ ‬المرأة‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬تبرير‭ ‬ربطها‭ ‬بمشاريع‭ ‬التحرر‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬سبيلها‭ ‬إلى‭ ‬التحقيق‭.‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬الاعتذاري‭ ‬الذي‭ ‬يدشن‭ ‬ظهور‭ ‬أصولية‭ ‬قومية‭ ‬أو‭ ‬ماركسية‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬الأصولية‭ ‬الدينية‭ ‬حينا‭ ‬لتتماهى‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى‭ ‬يمكن‭ ‬رصده‭ ‬وتفسيره‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ملاحظات‭ ‬ريتشارد‭ ‬بهرنت‭ ‬التي‭ ‬حاول‭ ‬فيها‭ ‬تحليل‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المستعمرة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬نظرية‭ ‬المثاقفة‬‭(‬5‭)‬‭.‬

يرى‭ ‬بهرنت‭ ‬أن‭ ‬البلدان‭ ‬النامية‭ ‬تمر‭ ‬بفترة‭ ‬تحول‭ ‬ديناميكي‭ ‬ثقافي‭ ‬تتسم‭ ‬بعدم‭ ‬الاستمرار،‭ ‬وتعتمد‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬مثاقفة‭ ‬يمكن‭ ‬التمييز‭ ‬فيها‭ ‬بين‭ ‬نموذجين‭:‬

الأول‭ ‬يدعوه‭ ‬بـ‮ ‬‮«مثاقفة‭ ‬المحاكاة‭ ‬السلبية‮»‬،‭ ‬والثاني‭ ‬يدعوه‭ ‬بـ‮ ‬‮«‬المثاقفة‭ ‬التوفيقية‭ ‬الإيجابية‮»‬‭.‬

وهو‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬هي‭ ‬حصيلة‭ ‬عملية‭ ‬تكيّف‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المحاكاة‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬يدعوهم‭ ‬بـ‮ ‬‮«شعوب‭ ‬الهامش‮»‬‭ ‬مقابل‭ ‬‮«‬شعوب‭ ‬المركز‮»‬‭ ‬الأوروبية‭.‬

يسارع‭ ‬مثقفو‭ ‬الهامش‭ ‬إلى‭ ‬امتصاص‭ ‬فكرة‭ ‬القومية‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬غربية‭ ‬المنشأ‭ ‬باعتبار‭ ‬أنهم‭ ‬يعاملونها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنها‭ ‬وسيلة‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬مركبات‭ ‬النقص‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬بها‭ ‬الحكم‭ ‬الاستعماري،‭ ‬والتعويض‭ ‬عنها. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬فقدان‭ ‬الهوية‭ ‬نتيجة‭ ‬لاهتزاز‭ ‬البنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التقليدية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬إبراز‭ ‬القومية‭ ‬باعتبارها‭ ‬قومية‭ ‬بديلة‭. ‬وأما‭ ‬الدولة‭ ‬القومية‭ ‬التي‭ ‬يتوقون‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقها‭ ‬فإنها‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬شعوب‭ ‬الهامش‭ ‬بمثابة‭ ‬آلية‭ ‬‮«‬ميكانيزم‮»‬‭ ‬عالمية‭ ‬تكفل‭ ‬تحقق‭ ‬التطور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القومية‭ ‬التي‭ ‬يفرزها‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تنفع‭ ‬إلا‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬وسيلة‭ ‬جاهزة‭ ‬دائما‭ ‬لصرف‭ ‬انتباه‭ ‬الجماهير‭ ‬عن‭ ‬مشكلات‭ ‬حكوماتها‭ ‬غير‭ ‬المحلولة‭ ‬وإخفاقاتها‭ ‬ونكساتها‮»‬‭.‬

وأخيرا‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬القومية‭ ‬‮«‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تمجيد‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬المحلية‭ ‬بطريقة‭ ‬شوفينية‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬التمجيد‭ ‬الأعمى‭ ‬للعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬المحلية‭ ‬بلا‭ ‬تمييز‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬علاقة‭ ‬تواصلية‭ ‬مع‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬بمساوئه‭ ‬وحسناته،‭ ‬والمحافظة‭ ‬عليه‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬تغييره. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬التمجيد‭ ‬يقترن‭ ‬عادة‭ ‬بمحاولة‭ ‬استعادة‭ ‬الماضي‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬باسم‭ ‬استرداد‭ ‬العصر‭ ‬الذهبي. ‬ويقابل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬الديني‭ ‬طرح‭ ‬مسألة‭ ‬استعادة‭ ‬عصر‭ ‬السلف‭.‬

لنلق‭ ‬الآن‭ ‬نظره‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التماهي‭ ‬بين‭ ‬الأصوليّتين‭ ‬الدينية‭ ‬والقومية‭ ‬أو‭ ‬الماركسية،‭ ‬ونحاول‭ ‬وضع‭ ‬مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬على‭ ‬محكّ‭ ‬خطابهما‭ ‬المشترك‭ ‬وما‭ ‬ينطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬إشارات‭.‬

هناك‭ ‬حسب‭ ‬الدراسات‭ ‬النسوية‭ ‬نوعان‭ ‬من‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الذكورة‭ ‬والأنوثة‭: ‬الاختلاف‭ ‬البيولوجي‭ ‬والنفسي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التمايز‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬‭(‬Sexes‭)‬‭ ‬ويعتبر‭ ‬الجسد‭ ‬فيه‭ ‬أساسا‭ ‬للمفاضلة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭.‬

وأمّا‭ ‬التمايز‭ ‬الذي‭ ‬تحدده‭ ‬المحددات‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬فيقوم‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬الجنوسة‭ ‬‭(‬Gender‭)‬‮ ‬‭(‬6‭)‬‮ ‬أساسا‮ ‬‭ ‬للاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭.‬

ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬بموجب‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬التصنيف‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬هناك‭ ‬نصية‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬عقائدية‭ ‬كمرجعية‭ ‬ثابتة‭ ‬تكمن‭ ‬وراء‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬بفرعيه‭ ‬الديني‭ ‬والقومي‭ ‬أو‭ ‬الماركسي‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النصية‭ ‬الثابتة‭ ‬تحيل‭ ‬الباحث‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬جوهرانية‮»‬‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الذكورة‭ ‬والأنوثة‭ ‬يسير‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬جوهر‭ ‬بيولوجي‭ ‬وسيكولوجي‭ ‬مختلف‭ ‬للمرأة‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬ذاتيتها‭ ‬تقف‭ ‬خارج‭ ‬احتمالات‭ ‬التغيّر‭ ‬التاريخي‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أو‭ ‬تصبح‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬مسألة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للحل‭.‬

وفضلا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الجوهرانية‮»‬‭ ‬تمضي‭ ‬في‭ ‬حالاتها‭ ‬القصوى‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل‭ ‬وتعتبره‭ ‬ضربا‭ ‬من‭ ‬المغايرة‭ ‬‭(‬Otherness‭)‬‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬طبيعتهما‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬المرأة‭ ‬هي‭ ‬الآخر‭ ‬أو‭ ‬الغير‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الرجل،‭ ‬والرجل‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬أو‭ ‬الغير‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المرأة،‭ ‬ولهذا‭ ‬فعدم‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬حصيلة‭ ‬لعملية‭ ‬تكييف‭ ‬اجتماعي‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يتأسّس‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬القوامة‮»‬‭ ‬البيولوجية‭ ‬أو‭ ‬ميل‭ ‬الذكر‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأنثى‭ ‬واستغلالها‭ ‬واعتبار‭ ‬اختلافها‭ ‬مغايرة‭ ‬ثابتة‭ ‬لا‭ ‬زمن‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬تاريخ‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬المغايرة‭ ‬بمعنى‭ ‬اختراع‭ ‬الغير‭ ‬‭(‬Othering)‭ ‬حسب‭ ‬مصطلح‭ ‬غياتري‭ ‬سبيفاك‭)‬‭ ‬هي‭ ‬بمثابة‭ ‬عملية‭ ‬خلق‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الإمبريالي)‭.‬

ترى‭ ‬سبيفاك‭ ‬أن‭ ‬المغايرة‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬الأب‭ ‬أو‭ ‬الأم‭ ‬أو‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬خطاب‭ ‬السلطة‭ ‬والهيمنة‭. ‬كما‭ ‬تعتبرها‭ ‬عملية‭ ‬إقصاء‭ ‬للآخر‭ ‬تقوم‭ ‬بإنتاج‭ ‬الآخر‭ ‬المستعمر‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنه‭ ‬يمثل‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الكولونيالي‭ ‬رعية‭ ‬خاضعة‭ ‬لصانعها‭.‬

وهذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬خطاب‭ ‬التبعية‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬الآخر‭ ‬وإقصائه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نشبهه‭ ‬بالخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬الديني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬النص‭ ‬الثابت‭ ‬القومي،‭ ‬أو‭ ‬الماركسي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الرسالة‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬بدورها‭ ‬نصا‭ ‬ثابتا‭ ‬أو‭ ‬شبه‭ ‬ثابت. ‬إنه‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭ ‬خطاب‭ ‬مغايرة‭ ‬مستمرة‭ ‬تسلب‭ ‬المرأة‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬الاختلاف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والبيولوجي‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الرجل‭ ‬مسألة‭ ‬اختلاف‭ ‬وظيفي‭ ‬لا‭ ‬تترتب‭ ‬عليه‭ ‬مفاضلة‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬تستحيل‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬مغايرة‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬تابع‭ ‬ومتبوع‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬تقدّم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نطرح‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬ما‭ ‬خصائص‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬تجاه‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬الآن؟

من‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬النص،‭ ‬والحدث‭ ‬التاريخي،‭ ‬والمؤسسة،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يعتبر‭ ‬ضربا‭ ‬من‭ ‬ضروب‭ ‬الخطاب‭. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬المرجعية‭ ‬النصيّة‭ ‬التي‭ ‬صاغت‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬صارت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطور‭ ‬النكوصي‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬العربي‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬التزامن‭ ‬بين‭ ‬التمثيل‭ ‬وبين‭ ‬الواقع،‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬وبين‭ ‬آثاره‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬والتبعية‭ ‬والجنوسة‭.‬

وإذا‭ ‬أدركنا‭ ‬أن‭ ‬السمة‭ ‬الأساسية‭ ‬للتحرر‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭ ‬السائد،‭ ‬وفي‭ ‬درجة‭ ‬تطوره‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬شعاره‭ ‬القائل‭ ‬‮«‬إن‭ ‬المرأة‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬امرأة‭ ‬بل‭ ‬تصبح‭ ‬امرأة‮»‬،‭‭(‬سيمون‭ ‬دو‭ ‬بوفوار)‬،‬ وأدركنا‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬بنيته‭ ‬المعرفية‭ ‬التقليدية‭ ‬أو‭ ‬البطريركية‭ ‬‭(‬بلغة‭ ‬هشام‭ ‬شرابي‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬البداهة‭ ‬الاستنتاج‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يسيطر‭ ‬عليه‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬والمرجعية‭ ‬النصية‭ ‬تجاه‭ ‬المرأة،‭ ‬مازال‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬المبادئ‭ ‬العقلية‭ ‬وبين‭ ‬الحداثة. ‬فهو‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحداثة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬العقلانية‭ ‬بوصفها‭ ‬سلعة‭ ‬ناجزة،‭ ‬يكتفي‭ ‬باستهلاكها‭. ‬فحداثته‭ ‬إذن‭ ‬حداثة‭ ‬سلعة‭ ‬مبتورة‭ ‬عن‭ ‬مرجعيّتها‭ ‬العقلانية،‭ ‬حداثة‭ ‬النتيجة‭ ‬وحدها‭ ‬وليس‭ ‬السبب‭ ‬والنتيجة‭ ‬معا،‭ ‬فكأنها‭ ‬معجزة‭ ‬ليس‭ ‬غير‭.‬

يحسن‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬نستعرض‭ ‬بعض‭ ‬المحدّدات‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بمفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬علاقته‭ ‬بالخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬السائد،‭ ‬والتي‭ ‬أوجزها‭ ‬فيما‭ ‬يلي‭:‬

أولا‭:‬ بدأ‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬مع‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭ ‬بداية‭ ‬مطلبية‭ ‬ذات‭ ‬مضمون‭ ‬اجتماعي،‭ ‬واعتبر‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬الجنسي‭ ‬البيولوجي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬التمايز‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الجنوسي‭.‬

ثانيا‭:‬ تطور‭ ‬مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬أيديولوجي‭ ‬متزامن‭ ‬مع‭ ‬العلمنة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭.‬

ثالثا‭:‬ شهد‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬صعودا‭ ‬استثنائيا‭ ‬مع‭ ‬نجاح‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية. ‬وأعقب‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬تراجع‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬إنجازات‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬ترتبط‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بفكرة‭ ‬التحرر‭ ‬السياسي‭ ‬الشامل‭.‬

رابعا‭:‬ كان‭ ‬لعودة‭ ‬النصيّة‭ ‬الدينية‭ ‬وبروز‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬تجاه‭ ‬المرأة‭ ‬أثرهما‭ ‬على‭ ‬هيمنة‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي: ‬الرسالي‭ ‬الأيديولوجي،‭ ‬القومي‭ ‬والاشتراكي‭.‬

وقد‭ ‬تجلى‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬غير‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬اتجاهين‭:‬

أ‭-‬ ‬اتجاه‭ ‬آثر‭ ‬تأجيل‭ ‬طرح‭ ‬مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬خارج‭ ‬النص‭ ‬الديني‭.‬

ب-‬‭ ‬اتجاه‭ ‬آخر‭ ‬استبدل‭ ‬مرجعيته‭ ‬النصية‭ ‬القومية‭ ‬والاشتراكية،‭ ‬وأحل‭ ‬محلها‭ ‬مرجعية‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬محاولا‭ ‬التغيير‭ ‬بالتأويل‭ ‬حينا‭ ‬وبالتقويل‭ ‬حينا‭ ‬آخر‭.‬

خامسا:‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬تعدديا‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬شموليا‭ ‬لا‭ ‬يتحرك‭ ‬بنصه‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬نفسه‭.‬

سادسا:‭ ‬طرح‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬السائد‭ ‬تجاه‭ ‬المرأة‭ ‬رد‭ ‬فعله‭ ‬على‭ ‬الحداثة‭ ‬الغربية،‭ ‬ففصل‭ ‬الحداثة‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬أسستها‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬وقام‭ ‬بتسليعها،‭ ‬أي‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالنظر‭ ‬إليها‭ ‬كسلعة‭ ‬أو‭ ‬بضاعة‭ ‬للاستهلاك‭.‬

وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬الإنجازات‭ ‬الإصلاحية‭ ‬للأفغاني‭ ‬ومحمد‭ ‬عبده‭ ‬ومحمد‭ ‬إقبال‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬جاهدة‭ ‬إيجاد‭ ‬طباق‭ ‬بين‭ ‬الفكرين‭ ‬الإسلامي‭ ‬والغربي،‭ ‬لم‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تسلمت‭ ‬الأصولية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الصاعدة‭ ‬مفاتيحها،‭ ‬فاستعادت‭ ‬بذلك‭ ‬المرحلة‭ ‬النصية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬بهذا‭ ‬الطباق‭. ‬وأحد‭ ‬الأمثلة‭ ‬البارزة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تصريح‭ ‬الإمام‭ ‬الخميني‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬مقابلاته‭ ‬التي‭ ‬أشار‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صفة‭ ‬أو‭ ‬تعريف‭ ‬كعبارة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬مثلا‭.‬

ومغزى‭ ‬هذه‭ ‬الإشارة‭ ‬هو‭ ‬الترويج‭ ‬لمرحلة‭ ‬من‭ ‬النقائية‭ ‬‭(‬Purism‭)‬‭ ‬التي‭ ‬تحيل‭ ‬إلى‭ ‬نص‭ ‬ولحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬باعتبارها‭ ‬ساكنة‭ ‬ثابتة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للحركة‭ ‬وتمحو‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬أعقبها‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭ ‬مادية‭ ‬حققها‭ ‬الإسلام‭ ‬الحضاري‭.‬

سابعا:‭ ‬المرحلة‭ ‬النقائية‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬اعتبار‭ ‬الإسلام‭ ‬نظاما‭ ‬شموليا‭ ‬يفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬أسلمة‭ ‬المعرفة‮»‬‭. ‬فهناك‭ ‬تبعا‭ ‬لذلك‭ ‬أدب‭ ‬إسلامي‭ ‬وعلم‭ ‬اجتماع‭ ‬إسلامي‭ ‬واقتصاد‭ ‬إسلامي‭ ‬وسياسة‭ ‬إسلامية. ‬وهكذا‭ ‬فالنتيجة‭ ‬اللافتة‭ ‬التي‭ ‬تُسفر‭ ‬عنها‭ ‬أسلمة‭ ‬المعرفة‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬أسلمة‭ ‬فكرة‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬نفسها‭.‬

غير‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الإجرائي،‭ ‬وأنا‭ ‬أتفق‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬طروحات‭ ‬برايان‭ ‬تيرنر‮ ‬‭(‬7‭)‬‮ ‬تطوير‭ ‬شيء‭ ‬اسمه‭ ‬علم‭ ‬اجتماع‮ ‬‭ ‬إسلامي‭ ‬للسبب‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬علم‭ ‬اجتماع‭ ‬مسيحي‭ ‬أو‭ ‬علم‭ ‬اجتماع‭ ‬يهودي‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المرتبط‭ ‬بفئة‭ ‬عرقية‭ ‬إثنية‭ ‬معينة‭. ‬فهناك‭ ‬منطق‭ ‬أساسي‭ ‬ونظرية‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يجعلها‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للانضواء‭ ‬تحت‭ ‬لافتة‭ ‬إثنية‭ ‬أو‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬تاريخية‭.‬

ثامنا: ‬انضواء‭ ‬الخطاب‭ ‬الأصولي‭ ‬الرسالي،‭ ‬القومي‭ ‬والماركسي،‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬تستمد‭ ‬مرجعيتها‭ ‬من‭ ‬نصية‭ ‬دينية‭ ‬ثابتة‭ ‬يُدخل‭ ‬مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬يتعذر‭ ‬معها‭ ‬تحرير‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬النص‭. ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬أعمم‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬القيمي‭ ‬هنا‭ ‬وإنما‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الاستثناء‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬نفي‭ ‬ما‭ ‬أصبح‭ ‬أشبه‭ ‬بالقاعدة‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الاستثناءات‭ ‬شديدة‭ ‬الأهمية‭ ‬طروحات‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬وهي‭ ‬طروحات‭ ‬تختلف‭ ‬اختلافا‭ ‬بيّنا‭ ‬عن‭ ‬المثال‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬سقته‭ ‬قبل‭ ‬قليل،‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ ‬المرأة‭ ‬والجنس‭ ‬مثلا‭.‬

وكذلك‭ ‬تندرج‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬طروحات‭ ‬فاطمة‭ ‬المرنيسي‭ ‬الجريئة‭ ‬والصادرة‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭ ‬النصي‭ ‬وبخاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ ‬‮«Beyond‭ ‬the‭ ‬veil‮‬‬».‬

وأخيرا‭ ‬فإنّ‭ ‬أخشى‭ ‬ما‭ ‬أخشاه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬بلغها‭ ‬مفهوم‭ ‬التحرر‭ ‬النسوي‭ ‬قد‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يدعوه‭ ‬مؤرخو‭ ‬الفلسفة‭ ‬بمرحلة‭ ‬‮«‬الغلق‮»‬‭ ‬Closure‭ ‬أي‭ ‬مرحلة‭ ‬سيطرة‭ ‬نظرية‭ ‬أو‭ ‬مذهب‭ ‬لديه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬الظواهر‭ ‬كلها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬زيادة‭ ‬لمستزيد‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الغلق‮»‬‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النصيّة‭ ‬الدينية‭ ‬والايديولوجية‭ ‬صادرا‭ ‬عن‭ ‬هيمنة‭ ‬فكرة‭ ‬الثبات‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهو‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬يعادل‭ ‬إلغاء‭ ‬العقلانية‭ ‬نفسها‭.‬

خلدون الشمعة. كاتب وروائي سوري

الميزان

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238