ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقارير

هل نفهم كيف تفكر الحركات الجهادية؟

استطاعت الحركات الجهادية أن تفرض وجودها عبر إيقاع متسارع في تنفيذ العمليات الإرهابية في كل دول العالم. لم يعد تنفيذ هجمة من الهجمات يتطلب أشهرا من التخطيط ، وتمويلا مناسبا لتجهيز المعدات الانتحارية، بل أصبح كل جهادي منعزل في أي دولة من دول العالم قنبلة بحد ذاته، عبر استخدام أساليب ترويعية بسيطة، وشديدة التأثير كدهس المواطنين بالشاحنات، واستعمال مسدسات وسكاكين في الملاهي الليلة والأسواق المزدحمة إلى غير ذلك من الوسائل التي لا يكف العقل الجهادي عن ابتداعها لتحقيق أكبر قدر من الخسائر في صفوف “الكفار”.

أصبح الحديث عن العقل الجهادي والداعشي مثارا بشدة في الساحة الإعلامية والأكاديمية أيضا، بغية فهم أعمق لآلية الاشتغال عند الجهادي حتى يتم تفكيكها والبحث عن سبل ناجعة للقضاء عليها.. لكن هل تحقق بالفعل هذا الفهم الدقيق الذي بذلت من أجله موارد مالية ضخمة ؟

الجماعات الجهادية وسوء الفهم الكبير

تعرف الساحة الأكاديمية والإعلامية اضطرابا شديدا في التعامل مع الظاهرة الجهادية، وتشخيص أسبابها، ثم طرق معالجتها، ولربما ينبع جزء من هذا الاضطراب من شدة تنوع الحركات العنيفة في العالم العربي منذ السبعينات إلى اليوم مع طغيان تنظيم داعشي على المشهد.

فإذا كان الجهاد من أجل تحرير الأرض الإسلامية، وتحكيم الشريعة مطلبا أساسيا للحركات الجهادية على اختلاف اتجاهاتها ومواطنها، فإن هناك مواطن اختلاف بينها يرجع إلى التكتيكات التي تتبعها، ثم درجة تأثرها بالمد السلفي والعقلية التراثية الجامدة.

فحسب نظر الخبراء، رغم العنف الذي كان يجمع بين جماعة الإخوان المسلمين في وقت سابق، والجماعة الإسلامية، والقاعدة، وداعش، فإن أسس تفكير كل تنظيم يختلف عن الآخر، وهو الأمر الذي يجعل من عملية المراجعات والاختراق متفاوتة الدرجة؛ ليس غريبا في هذا السياق أن تكون جماعة الإخوان المسلمين أول المبادرين لتبني السلمية ونبذ العنف، ثم الجماعة الإسلامية، في حين فإنه من غير المرجح أن تتبنى حركة داعش المنهج السلمي، وليس بالضرورة أن نضع تنظيم القاعدة في نفس الخانة مع داعش، خاصة مع الاحتياط الكبير الذي تبديه في عملياتها القتالية، وعدم اغراقها في مشاهد العنف، ثم محاولاتها المتواصلة لكي تكون صوت المقهورين -من السنة على الخصوص- في العراق وسوريا وغيرهما، وهو الأمر الذي يجعل العديد من الأصوات المتابعة للشأن الجهادي تؤكد على ضرورة مضاعفة الاهتمام بالقاعدة، ليس فقط لأنها تتبع استراتيجيات أكثر ذكاء وتماهيا مع المطالب الشعبية، بل لأنها الأخطر أيضا بسبب هذه الاستراتيجيات وقدرتها على التسلل والانتشار الهادئ بين قطاعات واسعة من الناس.

ليس كافيا أن نقول إن التأثير الوهابي على هذه الحركات هو الحافز في الاختيارات العنيفة التي تنتهجها، إذ تتقاسم معها الحركة السلفية العلمية نفس النموذج السلفي القائم على التوحيد، والاعتصام بمنهج السلف، وتبني الجهاد كآلية أساسية للدفاع عن الإسلام، والخلافة كشكل نهائي للسلطة. لكننا لا نجد أي تقاطع بينهما في المواقف السياسية، وكذلك الممارسات على أرض الواقع، الأمر الذي يجعل من اختيار “الفكر السلفي” محددا رئيسيا ونهائيا مشكوكا فيه بدرجة ما.

هل للتراث يد فيما يجري ؟

بشكل عام، تحتدم المعارك تجاه التراث الإسلامي منذ سنوات، بين مؤيد ومعارض. ومنذ أن ظهرت حركة داعش بكل ذلك الكم الرهيب من الإمعان في الترويع، احتدم النقاش حول دور التراث الإسلامي في هذه الأفعال الشنيعة، خاصة مع التبريرات الدينية الكثيفة التي تسوقها الحركة لتبرير أفعالها.

نتذكر في هذا السياق حادث حرق الطيار الأردني، والخلاف الفقهي الذي دار لوقت طويل حول “جواز حرق الأحياء”، ثم كذلك الخلاف الفقهي الذي دار حول مشروعية “إعلان الخلافة في سوريا والعراق” إلى غير ذلك من القضايا الكثيرة التي تُظهر بجلاء -على الأقل- حضور التراث كعامل من بين عوامل عدة تلقي ضوءا على ما يجري في الساحة العربية.

بغض النظر عن صحة التبريرات التراثية والدينية التي تقدمها داعش والقاعدة وبوكو حرام لإضفاء الشرعية على أفعالها، فإن مجرد الحضور الطاغي لهذه الروح التراثية التي كانت تشتغل في سياق سياسي وثقافي وعسكري مختلف تماما عن الواقع المعاصر، يطرح سؤال التراث بقوة ومشروعية تامة.

لقد عانى العالم العربي لسنوات من حملات قوية لاجتثات الدين من المجتمع بدعوى “التقدمية” على يد عدد من الأنظمة السياسية الشمولية في العراق وسوريا ومصر وتونس والجزائر، وهي الدول التي تعاني -في دلالة خاصة- أكثر من غيرها من ظاهرة الإرهاب، دون أن تبذل هذه الأنظمة جهودا موازية وبنفس الجدية للتطور الاقتصادي، فظهرت آفة اجتماعية شديدة الخطورة تمثلت في فقر مذقع، مصحوب بفرض نموذج حكومي في التدين أو رفضه، فكان الشكل الاحتجاجي الطبيعي من لدن عموم الشعب: الإمعان في التمسك بالنظام الرمزي -الذي يشكل عزاء مناسبا- الذي تحاول الحكومة سلبهم إياه، فبدأت أولى بوادر الاستحضار الكثيف للتراث كرد فعل معاكس، ساهم فيما بعد في إنتاج عقليات تراثية أقل ما يقال عنها أنها إرهابية في السياق المعاصر.

من جهة أخرى، فإن دولا أخرى تستنشق التراث -ولو بطريقة براغماتية- كالسعودية وايران، تعرف أيضا إيقاعا متزايدا في الانتماء الإرهابي، فالجماعات الشيعية الايرانية في العراق وسوريا تقترف إجراما متواصلا بحق السنة بتحريض عقدي تراثي صرف. أما السعودية فليس خافيا أنها المصدر الأول للإرهاب نحو العالم.

حسب بعض الدراسات، فإن أغلب المنتسبين للتيارات الإرهابية لم يأتوا من المدارس الدينية، وإنما من تخصصات علمية كالهندسة على سبيل المثال، وقد استغل البعض هذه الدراسة لتبرئة التراث مطلقا، واتهام تلك الجماعات بالجهل بالدين وأحكامه.

تتساءل جريدة “الغارديان” في هذا السياق : لماذا عدد من المهندسين إرهابيون ؟

لكننا في المقابل نجد أن عددا من قادة التفكير الجهادي هم فعلا خريجو مدارس وكليات دينية كالأزهر على سبيل المثال، الذي تخرج منه: عبد الرحمن الأب الروحي للجماعة الإسلامية المقاتلة، والشيخ محمد سالم رحال الذي يعتبر أحد المنظرين الرئيسيين للجماعات المسلحة في مصر، وأبو بكر شيكاو زعيم تنظيم “بوكو حرام”، وأبو ربيعة المصري أمير تنظيم القاعدة بالبصرة بالعراق.

الغرب والحيرة الكبرى

إذا كانت الظاهرة الإرهابية غير مفهومة تماما في بيئتها الأصلية، فمن غير المنطقي أن تكون أكثر وضوحا في أوروبا وأمريكا؛ لقد بذل الغربيون جهودا قوية في سبيل الفهم الصحيح للظاهرة الإرهابية في العالم الإسلامي، لكنهم يظلون منقطعين عن السياق الثقافي والمعرفي المؤسس للظاهرة ، مما جعل الكثير من تلك التحليلات والتفسيرات بعيدة عن الصواب.

تصر الكثير من الكتابات الغربية على نعت المنتسبين لداعش والقاعدة بأنهم ساديون، وشخصيات مرضية سيكوباثية؛ وهو الأمر الذي لا يحمل قيمة معرفية بقدر ما يحمل حيرة ومحاولة للهروب نحو سهولة مناسبة في توصيف هول ما يجري.

لم تكن الاضطرابات النفسية في يوم من الأيام بعيدة عن أي تصرف إنساني، ولن تكون بعيدة اليوم عن الكثير من التصرفات الإرهابية -السنية والشيعية- في العراق وسوريا، كما لا يمكن أن تكون بعيدة عن التصرفات البوذية في بورما، ونمور التاميل في سيرلانكا وغيرها من الحركات العنيفة ذات اللمسة الارهابية.

لكن هذا الأمر لا يصلح تفسيرا أساسيا لظاهرة تشمل مئات الآلاف من المنخرطين في القتال فعليا في سوريا والعراق، والمتعاطفين الكثر الذي ينتشرون في كل دول العالم دون استثناء.

يذهب عدد من المحللين إلى إلصاق التهمة مباشرة بنبي الإسلام، والممارسات السياسية التي اتبعها عدد من القادة التراثيين في الإسلام، مستدلين بالاسترقاق الذي كان سائدا آنذاك، وشن الحروب على الدول الأخرى، واتباع أشكال تعذيب قاسية كالرجم.

ليس من العدل أن يقتطع تصرف تاريخي من سياقه السائد، وهي أمور كانت واقعة في كل شعوب الأرض دون استثناء آنذاك، ولربما كانت الامبراطورية اليونانية ثم  الرومانية أحد أكثر الحضارات تفننا في أشكال التعذيب والتسلط على الآخرين.

كان من الأجدى طرح سؤال أكثر عمقا، وهو: لماذا يلجأ أبناء هذه التنظيمات إلى الاستنجاد بالتراث لتبرير أعمال فظيعة؟ لن يكون الوضع الاقتصادي والسياسي والخطاب الديني السائد كذلك بعيدا عن المساءلة، وهي الأمور التي لا يستطيع الكثير من الباحثين مواجهتها بسبب عدد الملفات التي ستفتح في أوجههم.

لقد اعتبر الغرب لسنوات عديدة نظام بنعلي في تونس نموذجا مشرقا للديموقراطية والحداثة، وهو الأمر الذي أصبح واضحا أنه لا يمت بصلة للواقع، بل إن نفس النظام بسبب الفاسد الذي كان مستشريا فيه، وتبنيه لخطاب مزدوج، وإيمانه بالحل الشمولي واللاديموقراطي أنتج ظواهر اجتماعية شديد الخطورة تكونت ببطء وعلى مدى عقود من اليأس المستمر، لم يكن أقلها الإرهاب.

الأمر الذي يفرض إعادة النظر في الملف الجهادي بعمق، وهو الأمر الذي بدأ منذ مدة في المغرب، بسبب عزم الدولة على أخذ المبادرة في هيكلة الحقل الديني، ومعالجة ملف الإرهاب من زاوية ثقافية ودينية، مطعمة بالمنحى الأمني، وهي التجربة التي اجتذبت أنظار عدد كبير من الدول، بدأت تحاول استنساخها أو الاستفادة منها للوقاية من مخاطر الإرهاب وقطع الطريق أمام الحركات الجهادية التي تنتشر بين أوساط الشباب اليائس والمحبط.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238