ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

السلفية الوطنية

شيخ الإسلام العربي العلوي : فقيه التحديث ، والسياسي الإصلاحي

محمد بن العربي العلوي

عرف المغرب نهضة فكرية غير مسبوقة مطلع القرن العشرين، مع وعي فكري وسياسي متنام فرضته الظروف السياسية الراهنة، والتي تمثلت في “نظام الحماية”، وما رافقها من تغييرات بنيوية في السياق الدولي المتمثل في تعزيز حركات التحرر الوطني حضورها على الساحة الدولية، وطغيان المزاج التحرري عبر العالم.

ولقد قاد هذه المتغيرات الفكرية الوطنية عدد من الأعلام البارزين الذين كان لهم دور رئيسي في قيادة الثورة الفكرية التي رامت الدخول بالمغرب إلى نادي “العالم الحديث”، وكانت لها آراء سياسية واجتماعية ثورية بالمقارنة مع الوضع الثقافي والاجتماعي الراكد آنذاك والغارق في البدع والتصورات الخاطئة لمفهوم الدين، ومفهوم التدين أيضا.

كان من هؤلاء الرواد  الذين حفرت أسماؤهم في الذاكرة الوطنية الجمعية: شيخ الاسلام بلعربي العلوي الذي كانت له إسهامات فكرية كبيرة، وتأثيرا واضحا على جيل من أبناء الحركة الوطنية، وعلى المحيط الثقافي والسياسي أيضا من خلال نشاطاته المتعددة والمتنوعة.

فمن يكون شيخ الإسلام ؟ وكيف ساهم في التنوير الفكري آنذاك ؟

النشأة المبكرة 

ولد محمد بن العربي العلوي سنة 1884م، بالقصر الجديد بمدغرة، إحدى واحات “تافيلالت” بالجنوب المغربي، وتوفي بفاس سنة 1964 بعد فترة مرض لم تكن طويلة.

تلقى تعليمه الأولي بين أحضان أسرته، حيث لعب والداه دورا أساسيا في تربيته المبكرة وحفظه للقرآن الكريم، ثم انتقل إلى فاس، التي كانت عاصمة آنذاك، حيث التحق بالمدرسة المصباحية، الحاضرة المعرفية الأساسية آنذاك بالمغرب.

ليلتحق بعد ذلك بالقرويين كعادة كل الطبقة المثقفة آنذاك، فحصل أثناء دراسته اطلاعا واسعا على كل المعارف الإسلامية من فقه وتفسير وحديث…

الخلفية الثقافية .. وفكر التنوير

كان شيخ الإسلام في بداياته الأولى صوفيا على “الطريقة الدرقاوية” شأنه في ذلك شأن معظم المغاربة حينها، إلا أنه تحوله الفكري أخذ يتبلور بعد أن قرأ كتاب “الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن” للإمام ابن تيمية الذي عرفه عليه الكتبي إدريس برادة في فاس، ثم بالإضافة إلى تأثير أستاذه أبي شعيب الدكالي الذي عاد من المشرق حاملا لواء السلفية الإصلاحية، بعد تأثره بروادها الكبار في المشرق كجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده… فبدأ فكر الشيخ يتبلور تدريجيا ممارسا قطيعة مع التفكير السائد آنذاك، ليستلهم مبادئ التنوير من الإصلاحيين المشارقة، وأيضا من التراث الإسلامي قبل عصور الانحطاط.

يقول د.”محمد عابد الجابري” إن أصداء السلفية النهضوية في المشرق لم تتطور في المغرب إلى سلفية جديدة فعلا، إلا عبر الشيخ أبي شعيب الدكالي ومع السلفي المناضل محمد بن العربي العلوي، وتلاميذه…”، ويقول “…بالفعل، كان الشيخ محمد بن العربي العلوي نموذجا للعالم السلفي المناضل الشعبي في المغرب، سواء أثناء عقد الحماية أو خلال عهد الاستقلال…”.

فاتصل به ابن العربي العلوي، فأنار فكره، وأخرجه من حيد التقليد والجمود الفكري، وبذلك انقلب من فقيه عادي إلى مفكر إصلاحي يحمل مشروعا فكريا عن مستقبل المغرب وإصلاح أوضاعه.

فأثر تأثيرا كبيرا في شباب الحركة الوطنية بأفكاره الإصلاحية، وآراؤه المتحررة، ودعوته إلى تحديث كل مناحي الحياة، وخاصة في مجال التدريس.

حيث نوه علم آخر من أعلام السلفية الإصلاحية “المختار السوسي” بشيخ الاسلام العلوي، واعتبره منارة مشعة في مجال التدريس، إذ لم يكن يكتفي بتدريس الحواشي والمتون، بل حاول إدخال تعليم حديث يعتمد على التعامل مع المصادر الأصلية والمناقشة والاستنتاج، ولذلك توجه إلى تدريس أمهات الكتب المؤسسة للفكر الإسلامي الكلاسيكي عوض الاكتفاء بالحواشي المتون المؤلفة إبان عصور الانحطاط.

إلى جانب كل هذا، انخرط شيخ الإسلام في النقاش الثقافي والسياسي الدائر آنذاك، مركزا على نشر التنوير، ومحاربة الجمود الفقهي الذي كان سائدا في القرويين، وكذا الفكر الخرافي والتواكلي الذي كان الحجر الأساس في فكر السلفية الإصلاحية التي كانت ترى أن نشر التفكير السببي، وربط النتائج بأسبابها أهم طريقة لبث روح العمل والإنتاج والتحرر في عقول الناس وقلوبهم يقول الأستاذ المقاوم محمد العلوي الزرهوني: كانت لهجة الشيخ قوية مقرونة بالتحدي، يتصدى للرجعيين من علماء الدين، فيقارع الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، كان ينبه جمهور المواطنين بأن هذه الجماعة ترمي من وراء ذلك إلى تجميد العقول، وبث التواكل والخمول، ودفع الناس إلى الرضوخ والاستسلام، فيتقاعس الناس عن النضال والكفاح، بدعوى أن الله قد قضى ما قضى، وقدر ما قدر، فكان رحمه الله ينعتهم بالجبناء، ويحمل على أهل الزوايا والطوائف الضالة؛ لكل ذلك، كانت رحاب المسجد تغص بالمواطنين الذين كانوا يأتون من سائر الأحياء لسماع درره الغالية.

وقد كان منهج الشيخ في الإصلاح الفكري قائما “العقلانية” التي دشن عصرها في المشرق بقوة الإمام محمد عبده؛ فتأثر به شيخ الإسلام في المغرب.

ولأجل ذلك كانت له مواقف فقهية ودينية مغايرة للسائد، بل حذت بأعلام آخرين إلى تأليف كتب في الرد عليه، كالإمام الحجوي الثعالبي الذي ألف كتابا بعنوان “الدفاع عن الصحيحين دفاع عن الإسلام”، رد فيه على شيخ الإسلام العلوي بمناسبة رده لبعض الأحاديث متأثرا في ذلك بمحمد عبده كحديث الشفاعة، وحديث نزول عيسى آخر الزمان وحديث سحر النبي عليه السلام.

كما كانت له آراء ثورية بخصوص قضايا مجتمعية: كوقفه من المرأة ودعوته الدائمة إلى وجوب تعليمها تعليما حديثا لكونها “نصف المجتمع”، كما اعتبر أن الاختلاط بين الرجال والنساء جائز شرعا بمقتضى الأدلة الشرعية الكثيرة، وأن هذا ما تقتضيه “السلفية” لكون الاختلاط كان أمرا شائعا زمن النبي الكريم.

وكذلك موقفه من النقاب، حيث اعتبره بدعة ينبغي أن تنتهي، حيث أثار موقفه هذا حفيظة عددا من كبار الفقهاء والإصلاحيين كذلك كأبي شعيب الدكالي والحجوي الثعالبي وغيرهم.

المسار الوظيفي والسياسي

تخرج محمد بن العربي العلوي من “جامعة القرويين” بشهادة العالمية حسب الاصطلاح الأكاديمي السائد آنذاك، سنة 1912.

gdfrerer

ثم تدرج في أسلاك الدولة، فأصبح أول الأمر “عدلا بأحباس فاس الجديد” آخر سنة 1912، ثم رئيسا للاستئناف الشرعي الأعلى بالرباط عام 1928، ووزيراً للعدل ابتداء من سنة 1938.

بالإضافة إلى ذلك فإن الشيخ كان مهتما بالتربية والتعليم اهتماما شديدا ككل الإصلاحيين آنذاك الذين آمنوا بأهمية المعرفة في التحرر من ربقة الجهل والاستعمار معا: فكان مسؤولا عن تربية أبناء الأسرة الملكية وتعليمها ” الأمر الذي جعله محل ثقة الأسرة الملكية واستشارة دائمة.

كما شغل وظيفة أستاذ بثانوية مولاي إدريس بفاس، وبالقرويين كذلك على سبيل التطوع، فاجتمعت حوله ثلة من شباب الثانوية الإدريسية، وأخرى من شباب القرويين، في طليعتهم علال الفاسي، ومحمد بن الحسن الوزاني، وغيرهم كثير، من الذين أصبحوا قادة المغرب فيما بعد وساروا على دربه.

كما تقلد منصب “وزير مستشار بمجلس التاج”، الذي ظل يشغله حتى سنة 1960”.

حيث اعتزل في بيته، وأظهر روحا وطنية وإيمانية عالية حين رفض راتب التقاعد، معتمدا في معيشته على أشياء بسيطة تمثلت في بيع البيض والحليب ! …

التعليم والتربية في مسار شيخ الإسلام

لقد كانت السلفية الإصلاحية في المغرب، شأنها في ذلك شأن كل الإصلاحيات العربية، تولي عناية خاصة لمسألة التعليم، لإيمانها -كما أسلفت- بقدرته على إصلاح الأوضاع المزرية التي تعيشها الأمة الإسلامية، ولأجل ذلك انخرط شيخ الإسلام.

belarbialawi

انخراطا كبيرا في التدريس والتعليم والانفتاح على شباب الحركة الوطنية، بغض النظر عن المسؤوليات السياسية والإدارية التي كان يتولاها طيلة حياته.

فقد كان يدرس في مسجد القرويين بفاس قبل تخرجه وبعده، ودرس في مساجد الرباط وسلا والدار البيضاء، وحتى أثناء عمله قاضيا كانت له ثلاثة دروس أسبوعيا في مادة الأدب مع توجيهات وإرشادات وذلك بالمدرسة الثانوية الإدريسية بفاس، بل كان يخرج في سبيل ذلك إلى الأسواق لتوعية الناس بأعداد كبيرة.

وقد تميزت دروسه دائما بطابعها الإصلاحي، إذ تجاوز الكتب التقليدية والمتون ليتجه إلى تدريس أمهات الكتب، فأحيى بذلك دروس التفسير التي كانت مهجورة، لِما شاع بين الفقهاء -ضمن ما شاع بينهم من خرافات- من أن تدريسها يسبب الموت العاجل للسلطان.

ولم تقتصر جهوده على  طلبة القرويين والمدرسة المصباحية وغيرهم، بل كان يحرص على التواصل مع جميع الأطياف، وشباب الأحزاب الوطنية. ولذلك كان للشيخ -على سبيل المثال-  علاقات مميزة مع حزب الاتحاد الاشتراكي، بل كان يلقي محاضرات في مقراته، فكانت له آثار كبيرة على أجيال الشباب آنذاك لدرجة أن الأستاذ المهدي بن بركة  قال: “لولا محمد بن العربي العلوي لأصبح جل سياسيي الاتحاد الاشتراكي ملاحدة”.

غير أن شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي لم يخلف آثارا علمية مكتوبة، باستثناء بعض الأشعار  المنسوبة له، وبعض الخطب أيضا، وكذا بعض الأحكام القضائية التي قضى بها لما كان رئيسا للاستئناف الشرعي بالرباط.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238