ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

وجهات نظر

أثر فكر يوسف القرضاوي في فهم الجهاد ونشر ثقافة السلم

رشيد الحسيني، طالب جامعي تخصص دراسات إسلامية، السنة الختامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال.

إن مما لا شك فيه أن دين الإسلام، دين الرحمة بالناس أجمعين، فهو دين الله إلى الناس كافة، ورسالته عالمية بكل ما تحمله معاني العالمية، وقد جاء لتحرير البشرية كلها من الانحرافات والضلالات والعبوديات لغير الله، ولم يكن الإسلام يوماً من الأيام خاصاً بقبيلة أو جنس أو طائفة، وإنما هو دين الله إلى الناس كافة. وتتجلى عظمة هذا الدين الحنيف في تنظيم العلاقات، سواء في علاقة المسلمين بربهم، أو علاقة بعضهم ببعض، أو علاقتهم بالآخرين ممن لم يعتنقوا دينهم على أي وجه كان. ويعتبر موضوع الجهاد والسلام من أعظم الموضوعات وأهمها في مجال العلاقات الدولية قديما وحديثا، لكن تعاني هذه الموضوعات من الجهل بحقيقتها والمزجاة في بضاعة علومها، إذ شاع فى بعض اللغات الأجنبية أن لفظة الجهاد فى الإسلام تعبر عن الحرب المقدسة أو أن الإسلام يدعو إلى السيف دائما ، أو بمعنى أخر أن الجهاد هو الإرهاب، إذ يُرَوَّجُ في بعض ّوسائل الإعلام ظلم وافتراء بخصوص هذا الموضوع لا أساس له في التعاليم الاسلامية، أن الاسلام يحضُّ على العنف والقتل والإرهاب، في حين بإمعان النظر في كتاب الله وسنة رسوله يتبين أن الحرب فى الإسلام أو الجهاد هى حرب دفاعية هدفها رد العدوان ليس إلا.   إذن ما حقيقة الجهاد في الإسلام؟ وهل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم ممن يخالفهم في العقيدة: السلم أو الحرب؟ أو بمعنى آخر هل يقاتل المسلمون غيرهم ممن يخالفونهم عقائديا أم فقط من يعتدي على حرماتهم أو يقف في وجه دعوتهم؟ أو كما قال الشيخ القرضاوي: لماذا يقاتل المسلمون الكفار؟ أهو لمجرد كفرهم؟ أم لعدوانهم على المسلمين بصورة أو بأخرى؟

يرى الشيخ يوسف القرضاوي أن الجهاد ليس تحكماً وتسلطاً على العباد في الأرض، أو فرضاً لعقيـدة الإسـلام بالسيف على رقاب الناس كما يدعي الغلاة أو المغرضون من أعداء الإسلام، ولكن الهدف الأسمى للجهاد هو فتح الطريق أمام الناس ليصبحوا أحراراً في اختيار عقيدتهم.

ويؤكد فضيلته أن كلمة الجهاد أوسع في المعنى من كلمة القتال؛ لأن لفظة الجهاد تشمل : “جهـاد المجاهد لنفسه ولشيطانه، وجهاد المجاهد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقول كلمة الحق عند السلطان الجائر، كما يشمل قتال المقاتل في سبيل الله”[1].

إن أهمية الجهاد في فقه الشيخ القرضاوي تظهر في أول سطور مقدمة كتابه قائلا: ” وبغير الجهاد يُصبح حِماها مستباحا، ودم أبنائها رخيصا رخص التراب”[2]، وتغدو مقدساتها أهون من حَفنة رمل في صحراء، وتهون الأمة عند أعدائها، فيتجرَّأ عليها الجبان، ويتعزَّز عليها الذليل، وتُغزى الأمة في عُقر دارها، ويتحكَّم أعداؤها في رقابها، فقد نزع الله من صدور عدوها المهابة منها، بعد أن كانت تُنصر بالرعب على أعدائها مسيرة شهر.

وأخطر من ذلك – أو قُل: من أسبابه – أن ترى الأمة قد أغفلت الجهاد، بل ربما أسقطت الجهاد من حسابها ومن بَرنامجها: أسقطته ماديا، وأسقطته نفسيا، وأسقطته فكريا وثقافيا”[3].

و بإمعان النظر في موضوع الجهاد يلاحظ انه لم يتعرض مفهوم من مفاهيم الإسلام لسيل عارم متتابع من الإساءة إليه وإلى الإسلام والمسلمين من خلاله، كما تعرض له مفهوم الجهاد، حيث يقع بين ” طرفي الإفراط والتفريط”. فهناك فئة تريد أن تلغي الجهاد من حياة الأمة وأن تشيع فيها الاستكانة والاستسلام والخضوع والخنوع وارتطام الرأس بالأرض بدعاوى مختلفة كالدعوة إلى التسامح والسلام وقد وصف الشيخ القرضاوي هؤلاء بأنهم عملاء للإستعمار الذي بلغت عداوته للجهاد إلى حد اصطناع فرق اختلقت لها إسلاما بلا جهاد وجعلت همها الدعوة إليه مثل البهائيين والقاديانيين، كما قال فضيلته: ” الذين يريدون أن يجردوا الأمة من أسلحتها ، لتبقى عارية مكشوفة أمام أعدائها، فهاجموا فكرة الجهاد، وحركة الجهاد قديما وحديثا، واتهموا الجهاد الإسلامي بالعدوانية. ويرحب بهؤلاء وأولئك جميعا: الإستعمار قديمه وحديثه، ويغذيهم بما يقوي عضدهم، ويمدهم بكل بما يعينهم على تحقيق أهدافهم، ولقد صنع الاستعمار البريطاني نِحْلَةَ ( القاديانية) في الهند، كان أشهر ما دعت إليه هو (إلغاء الجهاد)، لإخلاء الطريق للإستعمار، ليفرض سلطانه على المسلمين دون مقاومة”[4].

“وفي مقابل هؤلاء فئة تجعل من فكرة الجهاد حربا ضروسا تشنها على العالم كله، فالأصل عندها في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب، والأصل في الناس جميعا أنهم أعداء للمسلمين ما داموا غير مسلمين. وقد يلتقي هؤلاء الأخيرون مع بعض المستشرقين المتحاملين الذين عرفوا الجهاد كما هو في دائرة المعارف بأنه نشر الإسلام بالسيف، فرض كفاية على المسلمين كافة وكاد الجهاد أن يكون ركنا سادسا”[5].

“ويتصدى الشيخ لهذا الغلو بطرفيه من خلال  تتبع ورود كلمة الجهاد في القرآن الكريم والسنة النبوية ولدى فقهاء الإسلام وكذلك التحليل اللغوي لهذه المادة التي تدور حول بذل الوسع كما أسلفنا، ولينتهي إلى تفريق واضح بين الجهاد والقتال، حيث نفى فضيلة الشيخ أن يكون مفهوم الجهاد ليس له إلا معنى واحدا وهو القتال في سبيل الله، وقال بأن هذا الكلام صحيح في العرف السائد، أما في حقيقة الأمر ليس كذلك، ولقد ورد الأمر بالجهاد في القرآن المكي حيث لم يكن قتال بل مجرد جهاد دعوي بالقرآن أو كما عبر عنه الشيخ هو جهاد الدعوة والتبليغ وجهاد المعاناة والاحتمال أي احتملوا الأذى والاضطهاد والحصار والعذاب لذلك قال سبحانه” من بعد ما فتنوا” في سورة النحل التي تعتبر من السور المكية بالإجماع. كما ورد في القرآن والسنة وفقههما بمعاني عدة تدور حول بذل الطاقة والجهد في مجاهدة العدو ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس، وهذا ما يجعل الجهاد أوسع وأشمل من القتال”[6].

ونقل فضيلة الشيخ عن ابن تيمية أن الجهاد يكون بالقلب والدعوة إلى الإسلام وإقامة الحجة على المبطل، والرأي والتدبير فيما فيه نفع للمسلمين، والجهاد بالبدن وهو القتال”. ويستعين الشيخ بأحد علماء القرن الرابع عشر العلامة ابن القيم تلميذ ابن تيمية في تجلية مجالات الجهاد الواسعة التي تجعل من كل مسلم بالضرورة مجاهدا وليس مقاتلا ولا بد. ولقد توصل ابن القيم من خلال متابعته لمسار الدعوة الإسلامية إلى ضبط ثلاثة عشر مرتبة من مراتب الجهاد: جهاد النفس وفيه أربع مراتب، جهاد الشيطان وهو مرتبتان، جهاد الكفار والمنافقين وهو أربع مراتب، جهاد الظلمة والفساق  وهو ثلاث مراتب.

وعموما فإن موضوعة الجهاد من الموضوعات التي تبقى جوانب منها تحتاج للمزيد من التعمق والبيان، ومن الموضوعات كذلك التي ينبغي للمجتهد المسلم أن يعيد فيها النظر مرة ومرة، ولا نبالغ إن قلنا أن  هذا الموضوع صار غير منضبط فقهيا وقرآنيا كذلك، لأن تصورات الناس نحو العلاقة بالكفار متفاوتة ومتباينة، بين الانغلاق والانفتاح، وبين الانقباض والإنبساط، بل من المسلمين من لا يفرق بين الكافر الحربي، وبين الذمي والمستأمن، مما أدى الى اعتبار العلاقة معهم جميعا علاقة مبنية على الغلظة والعنف والإقصاء. ويبقى السؤال المطروح دائما هو: ما الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم أهي علاقة حرب أم سلم؟ .

 

 

 

 

 

[1] فقه الجهاد،ج 1،  ص 67.

[2] الضمير – الهاء-  بقوله حماها- يعود على هوية الأمة .

[3] فقه الجهاد، ج 1، ص 23.

[4] يوسف القرضاوي، فقه الجهاد، ج 1، ص 25.

[5]راشد الغنوشي، مقالة في موقع “إسلام أونلاين” بتاريخ 12 ديسمبر 2011، http://iumsonline.org/ar/3/n35 /.

[6] نفسه.

عادل الحسني

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238