برنامج الدين والناس

تقرير خاص

أقلام

شفرة هابرماس

في هذا الزمن المضطرب الساخن والذي يتغذى على القلق الهوياتي والصراع القيمي بين الثقافات، قد تبدو ملحا أن نستعيد الفيلسوف يورغن هابرماس حيث أن فكرة الأمة العرقية إقصائية في الأصل. فالمنتمون مميزون دومًا باللغة أو الأصل عن غير المنتمين. وبمجرد أن تصبح الفكرة راسخة في المزاج العام، يكون من الممكن أن تفضي إلى خلق أقليات داخلية واضطهادها. يقول هابرماس إن الشكل الوحيد الملائم في ظل الظروف الحداثية لتماهي المرء مع تقاليده هو الوطنية الدستورية.

ولكي يضرب الديمقراطي بجذوره، يجب أن تدعمه ثقافة سياسية تلبي مجموعة مختلفة من الشروط أولًا: يجب أن يتسق والخلقية ما بعد التقليدية. وثانيا يجب أن يكون له صدًى لدى الفهم الأخلاقي لجميع المجموعات الثقافية في المجتمع السياسي.

يبدو أن هذه الخطاطة المقدمة من طرف هابرماس من الممكن أن تشكل براديغما ونموذجا لتفسير فوز المسلم المواطن خان في انتخابات ديمقراطية تؤمن بالتداول وتهمل الأصل واللغة والعرق والاثنية. فهل فوز خان يمكن أن يشكل بصيص أمل لاستعادة دولة التعدد، دولة الأنوار؟؟ لا سيما أن هذا الفوز هو في بلاد الانجليز مهد الدستور والعهد الاعظم والتأصيل للحقوق والحريات.

إن الوقائع الجارية اليوم في العالم ربما تزيل هذا التفاؤل، فمن يضطلع على خطابات الهوية غربا من خلال اليمين المتطرف وشرقا من خلال الحركات السلفية يجد نفسه أمام استقطاب هوياتي يتغدى على التاريخ والحاضر من خلال ارتفاع منسوب تأثير الاعمال الارهابية هكذا مثلا نجد أن لخطاطة السلفية تقدم لنا للهوية نموذجا للإستراتيجية السالبة حيث تعتقد في ضرورة أن تكون الهوية الاسلامية نقية منذ لحظة بدايتها حتى نهايتها، إنها في اعتقادنا تصورات اختزالية عن هوية مثالية ونهائية ومكتملة وجاهزة، في حين ان الهوية هو عملية بناء وهدم في تناوب مستمر.

تستند التيارات الاسلامية المتشددة على مسلمة زائفة وهي أن نقاء العقيدة الدينية يقتضي نقاء الهوية الحضارية الأمر الذي يقود إلى اعتبار كل تفاعل ثقافي بين الحضارة العربية وغيرها من الحضارات إنما يمثل تشويها للإسلام وانتقاصا من خيرية المسلمين وربما استلابا لهم أمام الآخرين، فهؤلاء ليسوا سوى أصحاب الديانات وليس الحضارات الأخرى.

إن أول مخرج لأزمة الدولة اليوم يبدأ بتحرير الإنسان العربي ليتمكن من التفكير والإبداع ومحاولة التغيير للأفضل، بيد ان تحرير الانسان يحتاج الى تحرير عقله من عقال وأغلال السلطات المتعددة المقيدة لتفكيره: سلطة الماضي، سلطة الحاكم بأمره، سلطة العادات والتقاليد البالية، سلطة المجتمع المحافظ، سلطة الموروث الديني.وهذا التحرير الشامل لعقل المواطن العربي، سيمكّنه من امتلاك أدوات التغيير لتأسيس المدخل الجاد للدولة المدنية الديمقراطية ودولة المواطنة لا دولة الرعية. ألم يقم الغرب بإحداث القطيعة التاريخية مع الروح التقليدية وفي قلبها الدين المسيحي الارتوذوكسي حيث تشهد على ذلك النقد الرفيع للكتاب المقدس وللمناهج التاريخية في قراءته لا سيما من خلال جهود الفلاسفة الكبار، خصوصا سبينوزا وكانط؟

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238