برنامج الدين والناس

تقرير خاص

أقلام

تقولون فنقول

ثمة مسؤوليّة أخلاقية يتحمّلها من يُبررون الجريمة، سواء بتدوير الكلام أو بصمت اللئام. بهذا المعنى يكون جميع المسلمين مسؤولين عن الجرائم التي يقترفها بعض المسلمين باسم الإسلام وفي أي مكان.

تقولون: حتى أميركا مارست الإرهاب. فنقول: بل جرائم الإنس والجن مجتمعة لا تبرر الجريمة. في عالم الجريمة لا يوجد “فعل يقابله رد فعل”. كل جريمة هي فعل إجرامي أصلي مكتمل الأركان يتحمّل مسؤوليته القانونية المجرم باعتباره ليس شيئا خاضعا لمنطق الضرورة كما هي سائر الأشياء بل ذاتا عاقلة فاعلة مستقلة، أو هكذا يُفترض.

لكن ثمّة أيضا مسؤوليّة أخلاقية يتحمّلها من يُبررون الجريمة، سواء بتدوير الكلام أو بصمت اللئام. بهذا المعنى يكون جميع المسلمين مسؤولين عن الجرائم التي يقترفها بعض المسلمين باسم الإسلام وفي أي مكان. تماما مثلما يكون حاملو أي فكرة مسؤولون عن الجرائم التي قد يقترفها بعض الأشخاص باسم تلك الفكرة. المسؤولية هنا تعني على وجه التحديد الحاجة إلى إعادة النظر في الفكرة من حيث المفاهيم أو الصياغة، أو هما معا.

تقولون: التطرّف الديني صناعة صهيونية أو أميركية أو ماسونية لضرب الإسلام من الداخل. فنقول: إذا كان التطرّف الديني صناعة صهيونية أو أميركية أو ماسونية لضرب الإسلام، فقد كان حريا أن تشتاطوا غضبا ضدّ هذا الإرهاب المتآمر عليكم بدل اللجوء إلى استصغاره وأحيانا تبريره، وكان حريا أن تدفعوا بملايين المسلمين إلى الخروج للشوارع في مظاهرات صاخبة غاضبة ضد التطرف الديني الذي هو مؤامرة شريرة وخطرة لأجل ضرب الإسلام من الداخل!

تقولون: الإرهاب لا دين له. فنقول: لكن الإرهابي له دين. ثم نقول أيضا: إذا لم يكن للإرهاب من دين كما تودّون أو ترددون، فلماذا تصرّون على أن يكون لضحايا الإرهاب دين محدد حين ترفضون الترحّم عليهم بدعوى أنّ دينهم مختلف عن دينكم؟ فكيف يُعقل أن يكون الإرهاب لا دين له، وضحاياه لهم دين؟

تقولون: لا يزال الإرهابيون قلة قليلة وسط المسلمين. فنقول: لكن منذ زهاء عقدين من الزّمن لم يعد المسلمون قلة قليلة وسط الإرهابيين.

تقولون: الإسلام بريء. فنقول: لكن، حين يُذبح الناس باسم دينكم ولا تثور ثائرتكم، بل تتحيّنون فرصة لوم الآخرين لأسباب أخرى، فإما أنّكم تخذلون دينكم وإما أنكم تظنون في قرارات أنفسكم بأن دينكم ليس بريئا. حين تُسفك الدماء باسم عقيدتكم ولا تُحركون ساكنا، بل تلقون باللاّئمة على دماء المغدورين أو دموع المغدورين أو صراخ المغدورين، فإما أنكم شهود زور وقحون وإما أنكم شركاء أساسيون في الجريمة.

تقولون: شيوخ الدين وعلماء الدين ورجال الدين جميعهم أبرياء، حتى وإن أخطأوا بعض المرّات أو في معظم الحالات فلهم أجر المجتهد، لهم أجر واحد على أقل التقديرات. فنقول: الجبن هو الهروب من تحمّل المسؤولية، ولا نعرف تعريفا آخر للجبن غير هذا. الجبن هو أن يحرض شيوخ الفتنة النّاس على الجهاد في سبيل الله ضدّ “الطاغوت” و“الحانوت” ولستُ أدري، وأن يحثوهم على تغيير المنكر بدءا من الدار وانتهاء إلى الجار، وأن يهيجوهم لسحق “الفساد في الأرض” من التنّورة إلى مساحيق التجميل، وأن يحرّضوهم على محاربة “أعداء الدين” في المحطّات والأنفاق وحين البأس، وأن يدعوا في كل الجمعات والأعياد على “الكفار” بالويل والثبور وعظائم الأمور، وأن يثيروا لدى الناس كل الانفعالات السلبية والغرائز البدائية، من قبيل الغيرة والغضب والشماتة والتشفي.. لكن، ما أن يصـدق أحدهم الرّؤيا ويفجر نفسه وسط النّاس أشلاء أشلاء، حتى يتبرّؤون في الحال، ويصيحون دون انتظار صك الاتهام: الإسلام بريء، الإسلام بريء!.. وقصدهم أن يولولوا ويقولوا: نحن براء، نحن براء!

تقولون: الإسلام هو الحل. فنقول: لكن أين المسألة؟

المصدر

الوسوم

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238