ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقارير

الإسلاموية ومأزق الدولة الحديثة

الباحث : حمزة الوهابي
 hamzaelouahhabi@gmail.com
تتجادب نظرية الدولة اتجاهان فلسفيان، يعبر عنه المفكر أرنست كاسيرر في كتابه أسطورة الدولة، ينطلق الاتجاه الأول من مصادرة أولية مؤدها أن الغاية المقدرة للبشر على وجه البسيطة ليست نابعة من عالم المرئيات، وإن الحياة الدنيا هي بمثابة تجربة يجتازها المرء ليعرف قيمته وما يستحقه من جزاء في حياة أخرى ما ورائية محجوبة عنه الآن. وهذه المصادرة توجه للوجدان الفردي دعوة لكي ينفصل عن قوانين الحياة الدنيا الخادعة العابرة ويتهيأ للحياة الآخرة… وعلى المخاطب أن يضع دائما الهدف نصب عينيه ويتوجه نحوه ويترك كل ما سواه، فإن ما عداه برق خادع .
فالظواهر الكونية مؤقتة عابرة، وبالأحرى التنظيمات الاجتماعية التي من ضمنها الدولة، فبما أن الدولة تنظيم اجتماعي، فهي إذن اصطناعية لا يمكن أن تتضمن قيمة أعلى من قيمة الحياة الدنيا كلها. وعليه تكون الدولة شرعية في حالة واحدة وهي حالة خدمة الانسان ليحقق غايته الماورائية، وتكون مرفوضة غير شرعية في الحالة العكس. وفي كل الأحوال تبقى هذه الدولة في مرتبة ثانوية لا تكسب قيمة إلا في حالة خدمة الهدف الأسمى، بحيث تكتسب من خلال ذلك قيمة ما ورائية، فتخضع بذلك لقانون سابق، إذ تقبل أن تخدم غاية لم تحددها هي، لتتهيأ فتضمحل فيعود واجبها أن تحرر الفرد ليقوم بعمل أهم مما تطلبه هي به .
وهذه المصادرة في الحقيقة لا تترك مجالا معرفيا تنشأ فيه نظرية خاصة بالدولة، رغم أنها تحتوي على نظرة للدولة، إذ تضع للأخيرة موقعا في الحياة الاجتماعية والبشرية والكونية، لكنها نظرة مستوحاة من أفكار مسبقة حول الغاية من الانسان وحول واجبات الفرد اتجاه الغاية الماورائية. وعليه يقدم هذا الاتجاه الذي نحن بصدد مدارسته نظرية في الأخلاق، فيقدم الأخلاق على السياسة، جاعلا من الدولة خادمة للأخلاق، فهي وسيلة لتحققها، وعليه يصير التحدث في الدولة حاشية ملحقة بنظرية الأخلاق عند هذا الاتجاه.
وقد مثل هذا الاتجاه الثير من المفكرين، من الوراقين إلى انصار القانون الطبيعي، ومن أغسطين إلى فقهاء صدر الإسلام . وإن الشريعة من خلال أفكار هذا الاتجاه الذي يعرضه أرنست في كتابه أسطورة الدولة هي مجموعة من القيم المتولدة عن غاية عليا، والأخلاق هي مجموعة من طرائق السلوك التي تتجسد فيها تلك القيم، ويتجادب هذه النظرية قانونان، قانون فردي وجداني “القانون الجواني” والقانون الصادر عن الدولة وهو “القانون البراني”.
وهما ليسا يتعرضان بالضرورة، فالأول خاص بحياة الروح التي يعيشها الانسان، والثاني يحكم حياة أخرى وهي الحياة الحيوانية في الإنسان، ونطاق الدولة مستمر باستمرار نطاق الحياة الحيوانية في الإنسان.
أما الإتجاه الثاني فينطلق من مصادرة أولية مؤداها أن غاية الإنسان هي المعرفة والرفاهية والسعادة.
وأن الإنسان وليد الطبيعة؛ يصبو إلى سد حاجاته البدنية والفكرية المتنامية باستمرار؛ فيتجه إلى الطبيعة التي تمده بالوسائل الضرورية لذلك، ومن أهم تلك الوسائل على الإطلاق وسيلة التعاون. فقوة الإنسان في الأساس قوة جماعية، ولذلك قال بعض المفكرين أن الإنسان حيوان اجتماعيا بطبعه، في دلالة على حاجة الإنسان إلى أخيه الإنسان وإلى تنظيم تلك الحاجة عن طريق الاجتماع . وعليه فإن المجتمع نظام طبيعي ضروري، وبالتالي فهو معقول متجانس، لا توجد فيه متناقضات تلزم تدخل قوة الردع الخارجية.
وما الدولة إلا ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي، تولدت حسب قانون طبيعي وحكمها يندرج تحت حكم المجتمع العام. ومنه لا ينشأ تناقض بينها وبين المجتمع أو بينها وبين الفرد داخل المجتمع. والدولة الطبيعية تخدم المجتمع بقدر ما يخدم المجتمع الفرد العاقل، فتنظم التعاون داخل المجتمع وتمهد طرق السعي وتشجيع الكسب وطلب العلم، وبقدر ما تتقدم الانسانية في سبيل العلم والرفاه بقدر ما تخف ضرورة اللجوء إلى الدولة، باستثناء شأن المحافظة على السلم، فتتلاشى وسائل الدولة الزجرية والقمعية داخليا على الأقل في المرحلة الأولى. يظهر من الوهلة الأولى أن الفكرتان متعارضتان تعارضا تاما، يصل تعارضهما إلى حد أن الكلمة الواحدة (عقل؛ طبيعة؛ أخلاق) تحمل مدلولا خاصا ومختلفا في كل واحدة، كما تؤدي نتيجة عكسية في كل استخدام على حدى .
لكن ورغم هذا يتحقق لدينا بعد تعميق النظر وتقليب الأفكار أن النظريتان تتفقان في الإشكالية ذاتها، فكلتاهما تؤكدان أن وجود الدولة جاء عقب الإجتماع، وأنها جاءت بعد اهتداء الانسان إلى الاجتماع السياسي، كما أنها إنما وجدت أول ما وجدت لتحقيق مجموعة من الأهداف، وبالتالي فهي وسيلة لا غاية.
وعليه يتغير شكل هذه الدولة ومضمونها من ظروف اجتماعية إلى أخرى، ومن حقبة زمنية إلى أخرى، ومن بيئة مكانية إلى أخرى. وما الدولة الحديثة اليوم إلا تعبير عن حاجات جديدة تهدف البشرية إلى تحقيقها من خلال كيان الدولة، فهي جاءت إجابة عن أسئلة مؤرقة داخل الاجتماع السياسي البشري، هي ليست بكيان ميتافيزيقي يكتسب قيمته من ذاته التي تتصل بفكرة ما ورائية، أي أنها لا تكتسي طابع القداسة، فقيمتها نابعة من الوظيفة التي تؤديها والهدف الذي تسعى لتحقيقه.
وعليه ماهي حيثيات وظروف نشأة نظرية الدولة الحديثة؟ وما هي أسسها وأهم الأفكار والنظريات التي أدت إلى تشكلها؟ وما هي الحاجات الإنسانية التي جاءت كتعبير عنها؟ وما هي أهم المبادئ المؤطرة لها؟ وما موقع الأخلاق فيها؟ يتبع..
مراجع :
عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي بيروت-لبنان، الطبعة 10

عادل الحسني

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729