ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقارير

هل الإرادة الحرة مجرد وهم ؟

هل نمثل دورا محددا مسبقا في هذه الحياة أو أننا نحن من نحدد مسارنا الخاص ؟ هو سؤال تمت مباحثته منذ زمن بعيد من قبل فلاسفة، باحثين و علماء دين على حد سواء.
من ناحية تقليدية، تعرف هذه المسألة تباينا بين الشرق و الغرب. فحسب الفلسفات الشرقية، هذا الأمر هو بشكل عام، قضية قضاء و قدر.

يعمل الناس على إخراج أفضل ما لديهم عند إدراكهم للدور المنوط بهم في هذا الكون، هذا و يشاركون فيه بمنتهى الإخلاص. ففي الغرب، يتم تعليم الناس و بأعداد غفيرة، ضرورة التشبع بالإرادة الحرة، هذا الأمر الذي وصل إليهم من اليونان القديمة و كذا من الكثير من التقاليد اليهودية المسيحية. لكن رغم هذا، ظل الجدال حول الإرادة الحرة مقابل القضاء و القدر مستمرا في الغرب لعصور طويلة.

إذن، أيهما هو طبيعتنا الحقيقية؟ هل نملك إرادة حرة أم أنها لا تتعدى كونها وهما ؟

بفضل العلم الحديث، أصبحنا قادرين على سبر أغوار هذه المعضلة القديمة بطرق حديثة و أكثر تشويقا. اليوم، يتطرق كل من علماء الأعصاب، علماء النفس، و علماء الفيزياء لهذا السؤال، كل على شاكلته الخاصة.

جيري كوين Jerry Coyne ، عالم أحياء تطورية بجامعة شيكاغو، يقول أن جميع اختياراتنا يتم تحديدها من قبل جزيئات في الدماغ ، الجينات و البيئة. بينما يبتعد سام هاريس خطوة عن هذا الرأي، كونه فيلسوفا و طبيب أعصاب، ألف كتابا حول كون آخر ما وصل إليه علم الأعصاب يكشف عن الإرادة الحرة التي لا يمكن إصلاحها.

حسب ما أثبتته الممارسة، فإننا نتخذ قراراتنا حتى قبل أن نكون مدركين لها، إذ جاءت عقود من التجارب القيمة لتقدم أدلة ، تبدأ من 1980 مع أجهزة تخطيط الموجات الدماغية EEG ، ثم مؤخرا مع الرسم التصويري المغناطيسي الذي يعمل على قراءة الخلايا العصبية مباشرة داخل الدماغ.

في سنة 1999، قام اثنان من علماء النفس ؛ دان و يغنر Dan wegner و تاليا ويتلي thalia weatley بإجراء سلسلة من التجارب لرؤية الطريقة التي يشكل بها الدماغ قراراته، حيث اكتشفوا تأخرا لربع ثانية بين الوقت الذي نختار فيه و عندما يصبح عقلنا الواعي مدركا له.

النتائج شاسعة، فإذا استطعنا أن نرسم خريطة كاملة لدماغ شخص و أن نعرف تركيبه الجيني الكامل، فإننا سنكون قادرين على التنبؤ بدقة تصل إلى 100%، حول مدى استجابته لأي موقف يطرأ.

بالرغم من كون المجتمع الأمريكي متأسسا على فكرة الإرادة الحرة، كالجدارة و الاستحقاق ، ثم الحلم الأمريكي، فإن هذه النتائج من علم الأعصاب، قد بدأت تتسرب إلى قاعات المحاكم و مؤسسات أخرى.

بينما يركز علم الأعصاب على هذا الموضوع، تترك الفيزياء بابها مفتوحا للإرادة الحرة. ففي الفيزياء، هناك الكثير من التأويلات المختلفة للوقت، هل هو قوة أساسية في الكون مثل الجاذبية، البعد ، المادة، أم فقط طريقة تؤول بها أدمغتنا هذا العالم ؟

عندما يتعلق الّأمر بالقضاء و القدر مقابل حرية الاختيار، فإننا نجد توجهين أساسيين للفيزياء في هذه المسألة. الأول هو الحاضرية، حيث أن أولئك الذين على دراية بالبوذية على فهم لهذه العبارة. فهنا، الماضي و المستقبل يتواجدان فقط داخل عقولنا، فهما لا يتواجدان في العالم الحقيقي. فالواقع هو مجرد لحظة واحدة تتطور إلى التي بعدها، هذا النموذج هو ما يسمح بالإرادة الحرة.

الثاني هو الأبدية، هنا، الماضي و الحاضر و المستقبل ليسوا إلا إنتاجات عقلنا الواعي فهم حقيقة مثلهم مثل أبعاد الفضاء.

في النموذج السابق، السفر عبر الزمن ليس ممكنا، لكنه ممكن هنا. فهذه وجهة نظر جبرية تماما (جبري عكس اختياري)، إذ أن الخطة المرسومة للكون قد سبقت كتابتُها.

إنها مثل مجموعة من كرات البلياردو ، حيث أن الضربة الأولى وقعت لتكون الانفجار الكبير، فالأولى تضرب الثانية التي بدورها تضرب أخرى ، و هكذا حتى نحصل على بناء الكون و طريقة تطوره. كل شيء محتوم، إننا نلعب أدوارنا فقط، غير مدركين البتة لتلك القوى الخفية التي تقودنا. هذا الأمر الذي يسمى بنظرية ” الكون المغلق”، رغم وجود فيزيائيين يوافقون على كلا النظريتين، إلا أن الأخيرة تبقى هي السائدة.

بمجرد أخذ هذه الميادين بعين الاعتبار، يصبح لدينا فرصة كبيرة في أن الإرادة الحرة هي سراب فقط، بغض النظر عن كونها شيئا نشعر به في دواخلنا و نستثمر فيه عميقا، لكن ماذا سيكون شعور البشر إذا ما فقدوا الإحساس بالإرادة الحرة؟.

في 2002، حاول الباحثان النفسيان كاثلين فوس kathleen vohs ، و جوناثان سكولر Jonathan schooler ، اكتشاف هذا الأمر. حيث ترأسا تجربة توجهت لمجموعة من المشاركين بالقيام بقراءة فقرة نصية، حيث قام النصف الأول بقراءة مقال عن موضوع معين، في حين قرأ النصف الآخر حججا مقنعة عن عدم وجود الإرادة الحرة. بعدما تم وضع المشاركين ضمن مجموعة من التمثيليات التي توفرت لديهم فيها القدرة على الغش، السرقة، و الظفر بمزايا لا أخلاقية أخرى. تبين أن أولئك الذين قرأوا أن الإرادة الحرة هي وهمية، كانوا أكثر نزوحا نحو تجاوز الحدود الأخلاقية، حيث ظهر جليا، أن هؤلاء المشاركين الذين قرأوا عن جبرية المصير لم يعودوا يرون أنفسهم مسؤولين عن أفعالهم.

في تجربة أخرى، العمال الذين يعتقدون بحرية الإرادة ، يلتزمون بمواعيد عملهم ، كما و كانوا جيدين في تأديتها بصورة عامة، أكثر من أولئك الذين كانوا يعتقدون بحتمية القضاء و القدر.

خلال دراساته، يرى الباحث النفسي المرموق ، روي بوميستر Roy Baumeister ، أن ضعف الاعتقاد بحرية الإرادة سيقود إلى مستويات متصاعدة من التوتر و رضا أقل بالحياة وسط المشاركين، هذا إضافة إلى أنهم كانوا أقل إبداعا، أقل إحسانا ، و أقل ميلا نحو العلاقات من ذوي الالتزامات. حيث ستغدو حياة الناس و كذا سلوكاتهم سيئة على جميع المقاييس دون وجود اعتقاد بحرية الارادة.

هنا يتم طرح مجموعة من الأسئلة: إذا كانت حرية الارادة وهما ،فهل تستحق مثل هذه الحقيقة الانتشار خاصة إذا كانت ستجعل حياة الناس أسوأ ؟ هل نحن ملزمون بإشاعة مثل هذا الأمر؟ أم أنه من الأفضل السماح للوهم بأن يستمر؟ بالرغم من حضور أدلة ثقيلة تجعلنا نشك في وجود حرية الإرادة، إلا أننا لسنا بالضرورة محصورين في الإجابة على مثل هذه الأسئلة الشائكة حتى الآن.

 

المصدر : BigThink

سجود زاكي

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238