برنامج الدين والناس

تقرير خاص

المغرب

دعاة التنوير في المغرب يجهرون بتفاصيل إصلاح الدين

يعرفُ الحقلُ الديني مؤخرا جدلا واسعا بالعالم و العالم العربي خصوصا، فقد طرحت الأحداث الأخيرةُ المرتبطة بظاهرة الإرهاب خصوصا عدة أسئلة أرقت المفكرين و المشتغلين بالإصلاح الديني كما أشعلت نقاشات مطولة أثارت حتى بادئ الرأي. و من أهم المقاربات التي انبرت لمعالجة الظاهرة نجدُ المقاربة السياقية التي تعتبرُ النص الديني مرجعا مهما يجب فهمه داخل سياقاته ، بينما تلحّ مقاربة أخرى على مفعول الدين و أثره في اللاوعي الجمعي، في حين تعتمد المقاربةُ اللسانية طرحا بنيويا قائما على المرادف القرآني و إكراهات اللغة.

القراءة الخطأ !

استقبل مركز “مدينتي ” مساء السبت العاشر من شهر يونيو الجاري ثلاثة شخصيات فكرية مغربية تمثل كل واحدة مقاربة مختلفة لفهم إشكالية الإصلاح الديني، كان عبد السلام أقلمون، أستاذ علم المصطلحات بالمدرسة الوطنية للتجارة و التسيير بأكادير،  أحد المحاضرين الثلاثة الذين وطأوا لهذا اللقاء الفكري الباذخ، و استهل مداخلته بالتركيز على المرادف القرآني و مشاكل التداول اللغوي ، فتوقف عند أمثلة كثيرة للبرهنة على انجرافات الفهم القرآني التي أثرت على الإنتاج الفقهي و على الثقافة الدينية ككل، و حاول في مداخلته القيمة أن يسلط الضوء على بعض المفاهيم التي اعتبرها أساسية في التأسيس للتداول اللغوي الذي أثر بدوره في الفهم و التدليل و الفقه. من بين هذه المفاهيم، مفهوم ” العبادية” في مقابل العبودية، حيثُ أكد المتخصص في اللسانيات أن القرآن لم يؤسس لعلاقة عمودية بين الناس بل التزم الوحي بعلاقة أفقية تساوي بين الناس جميعا، كما أن الله خاطب الناس ب” العباد” و لم تستعمل كلمة العبيد إلا في سياقات مخصوصة، كما تطرق لمفهوم “البيان” الذي تم توظيفه على أنه الخاصية الشكلانية للنص الديني و هو ما جعل الإنتاج الإسلامي مرتبطا في معظمه بالصياغة و أفرز تراثا بلاغيا كثيفا طغت عليه الكلمة في مقابل الدلالة و جعل العقل المسلم يتوقف عن الإنتاج منذ 6 قرون، و إلا فكيف نفسر ظهور التكنولوجيا خارج بلاد الإسلام؟ و أكد أقلمون أن النص الديني وجب قراءته في ضوء العلوم الإنسانية حتى تكون الأمة الإسلامية من اولي الألباب بدل اولي الجلباب.

مفاهيم أخرى تطرق إليها الأستاذ عبد السلام أقلمون ، كمفهوم “الآية” و مفهوم ” الإحسان” ليبين من خلال ملاحظاته أن المفاهيم القرآنية تم تحوير معانيها عن طريق الخطإ من خلال القراءة السطحية للقرآن. كما تم فهم مفهوم ” الأمر” و هو أخطر مفهوم في نظره، بشكل يخلط التدبير الإلهي بالتدبير البشري، فالأول سائلٌ و الثاني مسؤول، و الخلط بينهما يؤدي إلى شرعنة التسلط و التفاوتات الاقتصادية بالدين، لكن القرآن جعل أمر الله مختلفا عن أمر البشر ” و أمرهم شورى بينهم”، ليحيل على السؤال الديمقراطي بالبلاد الإسلامية، و يخلص إلى أن التدبير الإلهي يوفر الخيرات و البشري ييسر الولوج إليها.

                                    عبد السلام أقلمون ” أن النص الديني وجب قراءته في ضوء العلوم                                                                          الإنسانية حتى تكون الأمة الإسلامية من اولي الألباب بدل اولي الجلباب.”

و نبه عبد السلام أقلمون إلى أن أكثر شيء يرفضه الإسلام هو الارتباط الأعمى بالماضي، و أن الخضوع للتراث و السلفية مسألة منبوذة في القرآن دون أن يطالب بإهمال التراث بل باستيعاب الإيجابي و التصالح معه، و لا بالخنوع للغرب بل باستثمار إيجابياته من أجل تأسيس قوة اقتراحية عالمية في أفق إنتاج و إبداع إنسانيين ، كثمرتين للكد و السعي ” و أن ليس للإنسان إلا ما سعى“. النجم 39.

ناشيد : في البدء يجب أن يصلح الدين.

و استهل المفكر المغربي سعيد ناشيد مداخلته  بقراءة تحليلية لعلاقة المثقف بالسلطة. السلطة بمفهومها العام، التي تنتظر من المفكر أن يبرر قراراتها ، و يشرح مصطلحاتها و يطمئنها و هي ثلاثة أدوار لا تليق بالمثقف بل تدخل في مهام الخبراء. فالمثقف حسب ناشيد ، إما أن يتنج أو يشرح المفاهيم و المصطلحات و لا دخل له بطمأنة السلطة.

و قد قارن بين دور المثقف الغربي الممثل في ترشيد النقاش العمومي خلال الصدمات و الأزمات الاجتماعية و السياسية و الثقافية و ليس دوره بناء الحقيقة التي لا تكون إلا توافقية. و دور المثقف العربي الذي مهما فعل لا يمكن له إرضاء السلطة. و في خضم الحديث عن المثقف و السلطة، تعرض الأستاذ سعيد ناشيد إلى أن تعامل السلطة مع الحدث مختلفٌ عن تعاطي المثقف معه، فالأولى تنظر إلى الحدث بشكل مغلقٍ بينما يستشرف المثقف تداعيات الأحداث على المجتمع، فالسلطة تحتقرُ الفكرة بينما المثقف يهتم بها من باب أن كل حدث لا بد له من فكرة تتحول إلى فعل.

لذا يحذر المفكرون من خطورة الأفكار التي تروّج بالمدارس و بوسائل الإعلام. و في معرض حديثه عن هذه العلاقة المضطربة بين الفكر و السلطة، تحدث عن بنية اللاوعي الجمعي الذي يتأسس على الدين و التاريخ، فبينما يبنى الوعي على أسس برغماتية بالأساس يستضمر اللاوعي مواقف أخرى مختلفة قد تبرز في أي لحظة لتتحكم في سلوك الفرد و الجماعة. و إذا كان الدين عنصرا محددا للاوعي الأفراد و الجماعات فهو يظل كامنا إلى حين يتم استدعاءه و التلاعب به من أجل إقناع شخص ما بالتخريب أو التفجير أو اقتراف عمل ما.

و يشيرُ ناشيد إلى خطورة ما سماه ب “عقدة الذنب” لدة المسلم الذي يعيش في مجتمع غير مسلم.فقد اعتبرها عنصر الجذب الذي وظفته داعش لاستقطاب المجاهدين من خلال رسالة تخاطب اللاوعي و تحفزه للعمل كما لو أنها تهتف به ” أيها المسلم حيثما كنت، تشعرُ بأنك مذنب لأنك تعيش في مجتمع غير مسلم، إليكَ فرصة للتكفير عن ذنبك”. و خلص المفكر المغربي في النهاية إلى أن “الإصلاح الديني هو المدخل الأساسي للتنمية و الأمن.”

رفيقي : الدين الخالص مفتاح التنوير .

لكن محمد عبد الوهاب رفيقي، الباحث في الحقل الديني و المشتغل بالإصلاح الديني و رئيس مركز الميزان للوساطة والدراسات و الإعلام، تبنى مقاربة أخرى مرتبطة بالأساس بإعادة قراءة سياقية للنص القرآني، من خلال فهم أسباب النزول و الدراسة المتأنية للنصوص الدينية قبل البدء في تنزيلها، و حددت مداخلته في ثلات نقاط أساسية هي : ماهية الدين و الخطاب الديني و التدين، ثم جدوى التجديد الديني، فيما كانت النقطة الأخيرة حول إشكالات التجديد الديني.

و فرق عبد الوهاب رفقي بين الدين و التدين، و الدين و الخطاب الديني. فالدين مطلقٌ علويّ و التدين قراءة بشرية للنص الديني، و عزا بذلك كل تعصب أو هجوم إلى اعتبار التدين معادلا للدين و هو أمرٌ غير صحيح. كما أن القول بأن الإسلام عبارة عن “إسلامات” ليس انتقادا له بقدر ماهو دليل على انفتاحه المستمر و تجدده.

و في معرض الحديث عن جدوى التجديد الديني ، تطرق رفقي إلى التاريخ الإسلامي و التمس العبرة منه من خلال الوقوف على بعض النوازل و الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام و ما بعده ، كما تطرق إلى طبيعة تعامل الفقهاء التقليديين مع النصوص الدينية، نعاملٌ نميز بالحذر و التخوف مما ساهم في تأخير عجلة التنمية، فالنمو تأخر بسبب الكثير من الإشكالات الدينية. و أشار كذلك إلى أن الدولة تخلت عن الفقه التقليدي لأنه يعيق حركية المجتمع. و لذا فنحن في أمس الحاجة إلى تجديد الخطاب الديني.

أما الإشكالات التي تعيقُ عملية التجديد الديني فقد أوردها محمد عبد الوهاب رفقي في مداخلته حين تناول آثار الخطاب الديني التقليدي على جودة العلاقات بيننا و بين الآخر، و ركز على أن هذا النوع من الخطاب “يوتر” العلاقة مع الآخر لأنه خطابٌ ينتج العنف و الكراهية. و دعا إلى مصالحة الخطاب الديني مع الإنسانية كمرحلة اساسية في صيرورة الإصلاح، ثم اختتم كلامه بالإحالة على قصة عبد الله ب جحش و مصادرته لقافلة قريشية و رد فعل الرسول صلى الله عليه و سلم تجاه تصرف ابن جحش. كما ربط القصة بآية  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ” البقرة 217، في محاولة لقراءة الآية على ضوء أسباب النزول.

اختتم هذا العرس الفكري بمداخلات متنوعة من الحاضرين تنوعت بين مخالف و موافق لكنها أجمعت ، شأنها شأنُ الضيوف الثلاثة، على ضرورة تمكين الإنسان من بناء حضارته على أسس العيش المشترك و نبذ العنف و الإرهاب.

هشام الخضير

* شاعر
* باحث في التراث و الفن و الأدب ، كاتب مقالات و مترجم.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238