ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

ترجمات

محمد طالبي (3): الملحد والأمة

 

يجب علينا إعادة التفكير في الموقف المناهض للإيمان. المصطلح الذي يترجم Athéiste هو ملحد، و الملحد يفيد في بعض معانيه التائه و المخطئ.  لقد تم تحميل هذا المصطلح بمعانٍ سيئةٍ حتى صار بمفرده  محاكَمة ضمنية. لكنني أزعم أنه لم يعد يمكننا في القرن العشرين استعمال مصطلحٍ  يدينُ غير المؤمن. إذا أردنا بالفعل أن نكون شركاء متساوين، نتحاورُ مهما كانت قناعاتنا، فعلينا أن نتقبل الآخر مهما كان و كيفما أراد أن يكون بدون أحكام مسبقة. لذا أفضّلُ كلمات أكثر دقة كتلك التي تدل في اللغة الفرنسية على انتفاء وجود إله ” pas de dieu ” و التي صادفتُ استعمالها من طرف أبي العلاء المعري بصيغة ” نفاتي” المشتقة من الثلاثي ” نفى”. و المعري الذي فكر كثيرا في تعدد الديانات و المذاهب التي تنفي وجود الله. أحد أبياته يقول :

أثبت لي خالقا حكيما … ولست من معشر نفاة

المصطلح هنا ملائم جدا نظرا لأنه لا يحمل أية حمولة سلبية.

أما مصطلح الأمة فله عدة معانٍ في القرآن، حيث يذهبُ القرآن في استخداماته لهذا المصطلح إلى إطلاقه على الطير و الدواب كما في الآية الثامنة و الثلاثين من سورة الأنعام . أو على الفرد الواحد كقوله في سورة النحل الآية 120 ” إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. و في التوراة “فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً.” سفر التكوين – الأصحاح 12 الآية2.

في القرآن كما في التوراة ، الأمة هي مجتمع التوحيد الذي بدأ مع ابراهيم. و هذا معنى العبارة ” إن ابراهيم كان أمة”.  الأمة بالمعنى القرآني امتداد للأمة التي تأسست مع إبراهيم. هذا يعني أن المسلم الصيني أو الأفغاني أو السويدي أو الجزائري كلهم ينتمون لأمة واحدة ذات طبيعة روحية خالصة.

محمد طالبي
تأملات مسلم معاصر

لكن على مستوى التاريخ، نلاحظ أن عناصر هذه الأمة ، موزعة على شعوب متعددة قد تتقاتل فيما بينها حسب الأحداث التاريخية. لا توجد أي وحدة داخل ما نسميه ب”الدولة الإسلامية”. حالَ وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ظهرت الخلافات في سقيفة بني ساعدة.

إذا كانت الأمة تكتسي الطابع الروحي فهي ليست الترجمة المناسبة ل nation. كما أن كلمة الأمة تترجم إلى الفرنسية ب communauté. و لذا أصر على ضرورة مراجعة مواقفنا تجاه الإلحاد (مثلا).

لكن هل من ترجمة سليمة لكلمة Nation؟ طبعا ليست “قوم” و لا هي أمة، رغم أن محاولة إقصاء البعد الروحي من كلمة أمة قد يفي بالغرض، كما نفعل حين نتحدث عن منظمة الأمم المتحدة، organisation des nations unies. نوظف “أمة” من خلال علمنتها، لكن الالتباس لا يزول و لا يرتفع و يسمح بعدة استغلالات ذات طابع سياسي، كما حصل مع كلمة “جهاد” و “مجاهد”.

الغموض و الظلمة تعمي أدوات تحليلنا لواقعنا، لأنها مختلة منذ البداية. قضايا اللغة و الدقة في التعبير هي أسباب مشاكلنا. نحن غالبا مكثرون في الإطناب و الإسهاب، بينما في الغرب يفضلون الإيجاز. نبتعد عما نريد قوله بينما الغربُ يُبقي عليه. إن من أهم وظائف خبراء اللغة عندنا أن يهتموا بالقواعد الأساسية، لأنها ضرورية إذا شئنا تنظيم تفكيرنا. نحن في حاجة أساسية لتوضيح مفاهيمنا، و خرائطنا العقلية. قد نصلُ إلى التحلي بسلوك أكثر عقلانية، يسمح لنا بالعيش في زماننا و لا يبقينا على هامش الحداثة.

شاركتُ في عدة ملتقيات حول الحداثة. في الغالب أخرج منها بنوع من الشعور بالإحباط و التبذير بسبب المشاركين الذين يتناولون الموضوع من وجهة نظر خارجية عما لدينا من مشاكل. السؤال  الأساسي، في نظري، هو الآتي : لماذا تكسر الزخم الحضاري لنا في لحظة محددة من التاريخ؟ سنحتاج إلى وقت و جهد لاكتشاف السبب وراء رحيلنا في بغتةً كأن عنصرا ميكانيكيا أو نابضا تكسّر. لماذا توقفت حضارتنا عن كونها قوة لنا لتصير عائقا؟ نحن ننزوي للأسف في هذا الماضي الذي يشكل مبررا لعدم انخراطنا في زماننا. فكرُنا الذي يتراجع بدل أن يتطور. إنها إحدى المسببات الكبرى لعدم عثورنا على زخم يفيدنا في العصرنة. فهذا الزخم هو قبل كل شيء موقف فكري. علينا الكفّ عن بناء ذتكرتنا على أساس مخيال ماضوي  يعيقنا. علينا إعادة تركيب الذاكرة، و إزالة الغموض عنها، لنلقي نظرة نقدية على الماضي في أفق الكشف عن الثغرات و تحديد اللحظة التي تكسر فيها النابض، بشكل يمكننا في الأخير من التحرر منهُ و التخلي عنه بحرية.

ما دمنا لم نتحرر من الماضي، فلن نتقدم. حتى اليوم، لم ننجز سوى دراسات عرضية لحضارتنا. علينا القيام بدراسة مسببات أمراض كياننا التاريخي و الاجتماعي. إجراء مماثل قد يحرر لاوعينا. أنا ، و قد صرحتُ لكم بذلك، فرويدي بشكل واسع. طالما لم يتحرر “لاوعينا” لن نخلقَ حداثتنا، حداثةٌ تسمحُ لنا، على غرار الغرب، بالدخول في علاقة جدلية مع تاريخنا و اكتساب القدرة على عيش الحاضر دون ألم و جرح مع استشراف المستقبل بكل مسؤولية و دون خوف. علينا التحرر من هذا الخوف الرهيب لدينا، مما يمكن أن يصيبنا.

 

 

هشام الخضير

* شاعر
* باحث في التراث و الفن و الأدب ، كاتب مقالات و مترجم.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729