ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقارير

هل يمكن اعتبار الدين هو السبب في أغلب الحروب ؟

تتواجد العديد من المفاهيم الخاطئة و المتداولة حول الدين، و التي غالبا ما يتم التطرق إليها على أنها حقائق مسلمة. على سبيل المثال، الفكرة التي تقول أن الناس المتدينين هم أشخاص معادون للعلم بطبيعتهم، و أن القراءة الحرفية للنصوص المقدسة هي التي تمثل الموقف الديني ” الصحيح” ، كما و أن الايمان لا يتوافق البتة مع المنطق، و أن جميع الأديان تدعي امتلاكها للحقيقة الوحيدة و المطلقة.

نحن مقابل هم

في الوقت الذي ترى فيه الأقلية بصحة هذه الأفكار، إلا أنها لا تصف المعتقدات و الممارسات المعيارية الدينية لغالبية الناس المؤمنين. إذ تعد هذه المفاهيم المغلوطة، أفكارا مبسطة تشجع تفكير” نحن مقابل هم”.

لكن يبقى المفهوم الخاطئ الوحيد حول الدين ، و الذي غالبا ما وجد آذانا مصغية و اعتبر حقيقة جلية- غالبا من الناس المتعلمين و المفكرين منهم- ألا وهو، أن الدين كان السبب وراء معظم الحروب.

في قرائته التحليلية و المسلية للوصايا العشر، يقول جورج كارلين .George Carlin ” العديد من الناس قتلوا باسم الإله أكثر من أي سبب آخر” ، حيث أخذ العديد من الناس هذه الفكرة على أنها حقيقة تاريخية. فعندما أسمع شخصا يصرح بكون الدين تسبب في أغلب الحروب، أقوم عادة بسؤاله أن يسمي هذه الحروب، ليأتي الجواب المعتاد” بالله عليك ! الحروب الصليبية، محاكم التفتيش، إيرلندا الشمالية، الشرق الأوسط، الحادي عشر من شتنبر، هل تحتاج أن أسمي لك المزيد ؟ “.

فعلى ما يبدو، الجواب هو نعم. نحن في حاجة إلى أن نسمي المزيد، لأنه في الوقت الذي كانت هناك حروب، و كان الدين هو سببها الرئيسي، تكشف قراءة موضوعية للتاريخ على أن هؤلاء الذين قتلوا باسم الدين ، لم يكونوا في الحقيقة إلا شيئا بسيطا من التاريخ الدموي للصراع البشري.

نعم الدين ليس السبب في أغلب الحروب

في كتابهما الصادر مؤخرا” موسوعة الحروب” ، يوثق الكاتبان تشارلز فيليبس Charles Philips ، و آلن أكسيلرود Alan Axelrod ، تاريخ الحروب المسجلة و الذي تضمن 1763 حربا، كانت 123 فقط منها ، من التي تتضمن سببا دينيا. مسجلة بذلك أقل من 7% من مجموع الحروب ، و أقل من 2% من مجموع قتلى هذه الحروب.

ففي الوقت الذي قتل فيه ما يقرب واحد إلى ثلاثة ملايين شخص بشكل مأساوي في الحروب الصليبية، و ربما 3000 شخص في محاكم التفتيش، فقد تم قتل حوالي 35 مليونا من الجنود و المدنيين في مذبحة الحرب العالمية الأولى الفارغة و العلمانية.

يأتي التاريخ بكل بساطة، لينفي دعمه للافتراض القائل بكون الدين هو السبب الأساسي للصراع. فقد كانت حروب العالم القديم نادرة جدا، هذا إذا ما حصل ووجدنا إحداها بسبب الدين. و ذلك لكون هذه الحروب كانت في الأساس بهدف احتلال الأراضي، السيطرة على الحدود، تأمين الطرق التجارية، او الاستجابة لتحدي داخلي تفرضه السلطة السياسية.

في الحقيقة، رحب الغزاة القدامى، سواء المصريون، البابليون، الفرس، الإغريق، و الرومان، بشكل منفتح بالمعتقدات الدينية لأولئك الذين قاموا بغزوهم، كما قاموا غالبا بإضافة الآلهة الجديدة إلى آلهتهم.

كانت حروب العصور الوسطى و عصر النهضة، من التي دارت حول السيطرة و الثروة هي الأخرى. حيث شهدت المدن منافسة على السلطة، و التي كانت غالبا من دعم الكنيسة، إلا أنها نادرا ما كانت بتحريض منها. ثم الاجتياح المغولي الأسيوي ، الذي يعتقد أنه تسبب في قتل ما يقرب 30 مليون شخص، لم يشهد بدوره هو الآخر أي دخل للدين فيه.

ولم يكن المتسبب في أشرسها!

معظم الحروب المعاصرة ، بما فيها حملة نابليون، الثورة الأمريكية، الثورة الفرنسية، الحرب الأهلية الأمريكية، الحرب العالمية الأولى، الثورة الروسية، الحرب العالمية الثانية، و صراعات كوريا و الفيتنام، لم تكن بالدينية في طبيعتها أو سببها. في وقت تم فيه استهداف الطوائف الدينية بوجه خاص ( في الحرب العالمية الثانية بشكل بارز)، للادعاء بأن الدين كان هو السبب و لإلقاء اللوم على الضحية و إساءة فهم دوافع الجناة، التي كانت قومية و عرقية بالأساس، و ليست بالدينية.

كما و يضاف إلى هذا ، الأعداد الهائلة من الإبادات الجماعية ( الذين قتلوا في التطهيرات الأخلاقية و غيرها من عمليات التطهير التي لم يتم تصنيفها على أنها حروب معلنة) ، لم تقم على أساس الدين.

يقدر بكون ما يقرب من 160 مليون مدني، قتلوا في الابادات الجماعية للقرن العشرين وحده، مع ما يقرب من 100 مليون قتيل من طرف الدول الشيوعية التابعة للاتحاد السوفييتي و الصين. في حين يدعي البعض كون الشيوعية ” دينا” لاحتوائها على ديكتاتور مطلق كلمته عبارة عن قانون، و “كتابا مقدسا” من القواعد التي لا تقبل المناقشة. يأتي مثل هذا الادعاء ليضع الدين على قدم المساواة مع الرغبة البشرية بالسلطة ، المطابقة، و السيطرة، ما يجعل أي فروقات بينه و بين المؤسسات البشرية الأخرى هو أمر لا جدوى منه.

يسجل الانجيل العبري العديد من الحروب، لعل أهمها الصراعات التي خاضها موسى في الصحراء، ثم غزو جوشوا لأراضي كنعان، التي قد نراها أمثلة عن العنف الديني. لكن ما يجب علينا معرفته هو أن الدليل الأثري ، يشير إلى نتيجة مفادها ، أن هذه الغزوات لم تتحقق أبدا ، أو على الأقل ليس بتلك الصورة الدرامية التي صورها الانجيل.

فالذي يقرأ الانجيل لتحري الحقائق الروحانية و ليس التاريخية منها، مثلي انا، يكون سعيدا أن مثل هذه المذابح لم تقع. حيث فهم الأحبار اليهود القدامى هذه القصص على أنها تحذيرات عن مخاطر الحروب، و ليس كونها انتصارات يحتفى بها.

السلام طموح ديني

من الأمور التي طالما عملت الديانة اليهودية على تعليمها هو عدم أخذ الحرب بشكل جدي ّإلا في الحالة التي يحضر فيها تهديد بارز. و التي لا تكون إلا بعد التأكد من استهلاك كافة الاحتمالات. حيث أن السعي وراء تجنب الحرب هو الذي يجب أن يكون هدفا.

في سفر التثنية Deuteronomy ” عندما تقترب من مدينة بغية محاربتها ، فإنه من الواجب عليك أن تدعو إليها في سلام” بعبارة أخرى، حتى في الحالة التي تكون فيها مهددا ، فإن تحري السلام هو أول ما ينبغي القيام به. إذ يقول الأحبار القدامى” في عين الله، يرتفع الشخص عاليا عندما يحقق السلام بين الناس، لكنه يرتفع إلى ما هو أعلى عندما يحقق السلام بين الأمم”.

حتى نكون واضحين، لا يعني هذا أننا نقول أن الدين ليس سببا للصراع. فمن الجلي، أنه كذلك، كان و سيستمر في ذلك مما لا يترك مجالا للشك. فمن الواضح أيضا، أن هناك من قاموا بارتكاب أعمال مروعة على أساس الحمية الدينية، حيث من الواجب علينا التأهب لمثل هذه التهديدات و كذا الرد عليها بقوة.

لكن في عالم يسكنه المليارات من الناس ، من الذين يعرفون أنفسهم على أنهم من المتدينين، يبقى أولئك الذين يعتقدون بكون العنف هو إرادة الله و أن قتل الأبرياء هو عمل مقدس، إنما هم أقلية صغيرة من المجانين.

السلام هو أعلى طموح ديني وجب علينا العمل على تحقيقه. فكما تصور أشعياء؛ الرسول اليهودي القديم ،مستقبلا حيث العالم مسير من قبل أعمال البشر الواعية، نجده يكتب ” سيحولون سيوفهم إلى محاريث، و رماحهم إلى خطافات مقلمة، لا يجب على أمة أن تشهر سيفها في وجه أمة أخرى ، كما لا ينبغي عليهم تعلم مزيد من الحروب”. ففي الوقت الذي كثيرا ما سقطت فيه الأديان بعيدا عن هذه الرؤية المثالية، إلا أن ما ينبغي علينا معرفته هو أن الطمع، السلطة اللامتوازنة، و الكره اللامبرر- و ليس الدين- هي التي كانت أسباب أغلب الحروب، و أن القضاء عليها هو ما ينبغي أن ينصب عليه تركيزنا.

عن huffingtonpost

سجود زاكي

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729