ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

وجهات نظر

الأئمة المغاربة على المنابر الأروبية

محمد بن أحمد رفيق ـ إمام وخطيب سابق بمدينة فلورانس الإيطالية ـ

تعرف أروبا منذ أكثر من ثلاثين سنة ـ خاصة إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولاندا ـ نشاطا في مراكزها التي أنشأتها الجاليات الإسلامية لتقوم فيها بالشعائر التعبدية ـ من صلاة وخطب الجمعة ـ ويغلب على تسيير هذه المراكز كثير من المغاربة، وبعضها يسيره مصريون وجزائريون وفلسطينيون، لكنهم ـ بالنسبة للمغاربة ـ يعتبرون قلة قليلة، نظرا لأمرين:
الأمر الأول: نسبة المغاربة المقيمين في أروبا أكثر ـ خاصة في إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولاندا وإيطاليا ـ
الأمر الثاني: أغلب المغاربة لهم إلمام ـ لا بأس به ـ بالدين الإسلامي، وارتباط بالشعائر التعبدية، كالصلاة والصيام والحج. لذا تجدهم أشد الناس حرصا على دينهم وتقاليدهم في أروبا من غيرهم. ولهذا السبب يسهل على كثير منهم التصدي لإمامة المصلين، وإلقاء خطبة الجمعة، خاصة حين تخلوا جماعتهم من طالب علم بحق، ممن درس العلوم الشرعية وتمكن فيها.
وقد نتج عن هذين الأمرين، أن تولى الإمامة والخطابة ـ في أروبا ـ مغاربة غير متمكنين من شروط الخطابة، والذي دفعهم لذلك غياب الإمام الخطيب الذي درس العلوم الشرعية، وأقام في أروبا لهذه المهمة، وهي: إمامة المسجد وخطبة الجمعة. فكان لابد من أن يتطوع متطوع لسد هذا الفراغ حتى لا يعطل المسلمون شعيرة الصلاة في جماعة والاجتماع يوم الجمعة. وذلك أن أغلب ـ إن لم أقل كل ـ من أقام في أروبا وسكن بها، إنما كان الدافع للإقامة هنالك، وترك بلده: تحسين الوضع الاجتماعي، والبحث عن وظيفة يحصل بها عن مال يحسّن من ظروفه المعيشية، وليس لإمامة المصلين أو إلقاء خطبة الجمعة. فحصل من ذلك أمران خطيران:
الأمر الأول: التجرؤ على المنبر، وذلك بالقول على الله وعلى رسوله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ونظرا لكونهم يتطوعون لخطبة الجمعة ـ بحكم العمل ـ فقد يخطب هذا مرة، وآخر مرة أخرى، وهكذا يتناوبون عن الإمامة والخطبة سدا للفراغ ! وقد هالني ما رأيته في إيطاليا لما كنت إماما وخطيبا بإحدى المراكز الإسلامية، حيث يصعد الرجل، ويأخذ في رفع صوته، مشيرا بيده، وملتفتا يمينا وشمالا، يخبط خبطا في اللغة، وينهج نهجا مفزعا في الأسلوب. ومع ذلك يحسبه المستمعون أنه: العالم النحرير، والمفتي الموفق !
الأمر الثاني: أن أغلب أولئك الأئمة الخطباء ـ إن لم أقل كلهم ـ يجهل الكثير من الشريعة الإسلامية ـ من علوم القرآن، والحديث، والفقه، وأصوله، واللغة العربية ـ وأسلوب الخطابة، وغير ذلك. وفي الوقت ذاته، ينظر إليه المستمعون والحاضرون على أنه هو: العالم .. الفقيه .. المفتي ! فيسألونه عن دينهم وقضاياهم، ويثقون بأجوبته وفتاويه !
ولما كان الدافع لهم للإقامة في أروبا هو: تحسين الوضع الاجتماعي، فمن البديهي أن يكون همّ ذاك الإمام والخطيب هو تحسين وضعه ليس إلا. وأما الإمامة والخطابة، فهو متطوع فقط. وأغلبهم ينقل خطبة جاهزة من كتاب جامع للخطب، أو من الإنترنيت، ثم يلقيها على مسامع الحاضرين، لم يبذل فيها جهدا، لأنه مشغول بعمله في شركة أو وظيفة.
فهذا حال الأئمة المغاربة الذين يؤمون المصلين في بلاد “المهجر بأروبا” ويخطبون فيهم الجمعة، والنادر لا حكم له.
ثم هناك طائفة أخرى منهم ـ وهي قليلة جدا ونادرة ـ هي تلك التي اتفقت مع رواد المركز الإسلامي (المسجد) على أن تواظب على الصلوات الخمس، وخطبة الجمعة، وتسيير المسجد، فلا يكون للإمام شغل إلا المسجد. فهذا يصبح إماما مقيما للدعوة والإرشاد، والصلاة بالمصلين. لكنه لا يختلف على الأئمة المتطوعين إلا بكونه يتقاضى الأجرة من المصلين ورواد المسجد، لا من شركة أو وظيفة معترف بها هنالك. فيبقى دائما مشكل الجهل بالشريعة الإسلامية، والجرأة على الفتيا هي الغالب.
المغاربة وظاهرة انتشار المنهج السعودي في أروبا
إن المنهج السعودي في نشر التعاليم الإسلامية هو المسيطر على أروبا، ولا ينكر هذا إلا معاند أو جاهل. وأعني بالمنهج السعودي: الدعوة السلفية المتأثرة بابن تيمية وابن القيم وبمنهج الإمام محمد بن عبد الوهاب، والتي هي الدعوة المستمرة لحد الآن على أيدي علماء السعودية.
والأئمة المغاربة هنالك كغيرهم ينهجون المنهج “السعودي” علموا بذلك أم لم يعلموا، فهم يستدلون في الفتاوى فقط بعلماء السعودية: “ابن باز، ابن عثيمين، عبد العزيز آل الشيخ، ربيع المدخلي، عبد الهادي المدخلي..”. والشيخ الألباني. ونظرا لجهل أكثرهم فهم يكتفون بالتقليد، والنسخ. لأنهم ليسوا أهلا لتولي الإمامة والخطابة والفتوى. وأغلبهم متطوعون ـ كما ذكرنا من قبل ـ
وأما المنهج الإخواني ـ الذي يمثله الشيخ القرضاوي ـ فهو قليل، وأغلب المغاربة لا ينهجونه، ولا يستدلون به، إلا في حالات قليلة، وهي التي تكون في صالح المنافع الشخصية، مثل: جواز شراء البيوت بالفائدة الربوية !
تغير أوضاع المراكز الإسلامية في أروبا للتصدي للتطرف
بعدما ظهرت الهجمات الدموية، والتفجيرات المروعة، في أروبا، والعالم، قام المغرب ببادرة جيدة ومهمة في التصدي للتطرف، وذلك بإرسال أساتذة كفء، وطلبة علم على دراية بالشريعة الإسلامية، إلى عدد من بلاد أروبا، لتعليم الناس حقيقة الدين، وتسامحه، وعدله، وتحذيرهم من المناهج التي تدعو للكراهية والعنف. لكن هذه المبادرة لها مرحلة زمنية محددة، وهي: شهر رمضان ! وبعض المناسبات. حيث تتكفل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بإرسال حوالي أربعمائة إمام وواعظ لمعظم الدول الأروبية، وعلى رأسها: فرنسا وإيطاليا وبلجيكا ـ كما فعلت هذه السنة ـ وترتكز هذه الدعوة على نشر المذهب المالكي، ونبد العنف، ومحاربة التطرف، مع القيام بصلاة التراويح، ودروس رمضانية.
وهذه مبادرو طيبة يشكر عليها المغرب، ولكن في نظري: هذه الطريقة قاصرة، ولن تأتي بما يصبو إليه المغرب، وذلك لأمور عدة:
أولا: المدة التي يقضيها أولئك الأئمة والوعاظ في أروبا قليلة جدا، إذ شهر واحد في رمضان لا يكفي ليفهم فيه المصلون دينهم، وغالبا لا يتأتى لكل فرد منهم الحضور لدروس شهر رمضان كله، فأغلبهم قد يحضر أربع أو ثمان مرات خلال الشهر، يومي: السب والأحد.
ثانيا: الكتب والرسائل المنتشرة في أروبا، أغلبها من المملكة السعودية، وهي على المذهب الحنبلي، وأغلب المغاربة لا يفرقون بين المذاهب، ولا يهمهم، بل يأخذون الفقه والفتوى جاهزة من المفتي ـ الذي ينسخ الفتوى على مذهب الحنابلة ـ ويلقيها إليهم. فكيف نريد أن ننشر المذهب المالكي في شهر، وبلا كتب ولا رسائل مطبوعة تهدى لهم، كما تفعل “السعودية” لكل من حج أو اعتمر من الديار الأروبية؟ !
ثالثا: لو أن مسجدا بأروبا لا يعمره إلا المغاربة لقلنا: “لا بأس بنشر الفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية، والطريقة الجنيدية”، لكن مساجد أروبا يعمرها المغاربة والتونسيون والجزائريون والمصريون والباكستانيون والبانكلاديش والأروبيون المسلمون..إلخ. فليس من العدل والإنصاف، والعقل والمنطق، أن نحجر على كل من حضر ذاك المسجد من أن يختار مذهبا غير مذهب الإمام مالك، وعقيدة غير عقيدة الأشعري.
أحسن طريقة للدعوة في أروبا
فإن قال قائل: فما هي أحسن طريقة للدعوة في أروبا؟
الجواب: أحسن طريقة تتمثل ـ في رأيي ـ في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: إرسال الأئمة الموفقين في العلوم الإسلامية، والمنتخبين من طرف المجلس العلمي الأعلى، ووزارة الأوقاف إلى بلدان أروبية، على أساس أن يقوم اتفاق بين الدولتين لحصول الأئمة المغاربة على إقامة في بلدانها، وتوفير السكن وراتب شهري، ليقيم ذاك الإمام إقامة رسمية، وليس شهرا كأنه في عطلة ثم يعود إلى بلده.
الأمر الثاني: طبعُ عدد من الكتب الفقهية والرسائل العلمية في المذهب المالكي، ومطويات في التعريف بالإمام مالك ومذهبه، فتقوم الدولة المغربية بنشرها في أروبا تحاكي في ذلك ما قامت به ـ ولا تزال ـ الدولة السعودية. وإلا فالمذهب الحنبلي هو المشهور في أروبا عند الجالية المغربية ـ وهم لا يشعرون ـ
الأمر الثالث: الأفضل أن يكون تركيز الدعاة المغاربة في أروبا على تيسير الفقه، لا ربطه بالمذهب المالكي، بل أي مذهب يناسب الواقع الأروبي ومجتمعه، في تيسيره وسماحته وليونته ومرونته، فليكن هو مذهب المفتي، مستدلا عليه بآية، أو حديث صحيح، أو قول صحابي. حتى نستطيع أن نقول للمجتمع الأروبي: ديننا صالح لكل مكان وزمان.
أما تقييد المقيمين في أروبا بالمذهب المالكي، فهذا لا يزيدهم إلا خبطا وخلطا، ويفرق كلمة المسلمين هنالك، ويشتت جهودهم في قضايا تافهة، مثل: الاختلاف في التثويب في الأذان، وإفراد الإقامة، والتسليم من الصلاة، وقراءة القرآن جماعة،…إلخ.
فهذا شأن الأئمة والوعاظ والخطباء المغاربة في أروبا، الذين شاهدتهم، واجتمعت بهم، واستمعت لهم، وناظرت بعضهم، لما كنت إماما وخطيبا في مدينة “فلورانس” الإيطالية سنة 1998 ـ 2003. وهذه شهادتي، ومن قال غير هذا فهو إما معاند أو جاهل أو له أغراض يعلمها الله.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238