ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

العالم المغرب

كوريا الكنفوشيوسية تُلهمُ المغرب

إن كان يجب على  المغرب أن يستفيدَ من تنين كوريا الجنوبية حتى يصير أسدا إفريقيا، فعليه أن يقوم بتكييف نموذجه الاقتصادي بداية من الاستثمار في النظام التربوي.

في سيول أو في بوزان، تتسابق ناطحات السحاب لتعانق سماء كوريا الجنوبية. وضعٌ يلخصُ جيدا تطور هذا التنين الآسيوي الذي صار ، خلال نصف قرن، القوة الاقتصادية العالمية الثانية عشر، و الرابعة آسيويا.

ما وراء مشهد التطور الذي يعكسه الجانب المعماري، وجبَ الوقوف على الحركية الفنية و السياحية التي تعيش على إيقاعها كوريا الجنوبية، خصوصا في المراكز الحضرية كالحي التجاري ب “ميونغ-دونغ” أو الحي الراقي ب“جانغنام” ، بفضلِ ازدهار المجتمع و تصدير مختلِف الموجات الثقافية التي استفادت من التطور الاقتصادي و التكنولوجي للبلاد.

مدينة بوزان

 

كوريا الجنوبية تُصدرُ صورتها للبلدان العربية

و بهذا الصدد، حينَ نقارنُ الوضعية الاقتصادية للمغرب بكوريا الجنوبية ، و قد كانَ لهما عدةُ أوجهِ تشابهٍ خلال 1960، فالأرقام تصيرُ أكثرَ تعبيرا. في الواقع، كان الناتج الداخلي الخام PIB، للبلدين على التوالي، يصلُ إلى 2,037 و 3,892 مليار دولار. أما اليوم، فقد عرفَ قفزةً نوعية بكوريا الجنوبية ليستقر في 1,378 تيرليون دولار سنة 2015، بينما سجل المغرب ما يزيدُ عن 100 مليار دولار، حسبَ معطيات البنك الدولي. كيف استطاعَ بلدٌ محروم من الثروات الطبيعية الوصول إلى هذه القوة في الأداء؟ زيادةً على سياسة الدولة في دعم تنمية الصناعات التصديرية، فإن التربية تُعتبرُ بمثابة دِينٍ في كوريا الجنوبية. فالدراسةُ في هذا البلد ذي التقاليد الكنفوشيوسية، ضمانٌ للنجاح المجتمعيّ.

اقتصاديات المعرفة، الرهانُ الكبير

يفسرُ كيم جين-سو، الكاتب العام للجمعية العربية-الكورية، أن ” الاستثمار في التعليم بلا هوادة، يُشكل الخلفية التي يستندُ إليها هذا التحول”. و يشهدُ على ذلك احتلالُ التلاميذ الكوريين لمراتبَ متقدمة في برنامج تتبع مكتسبات التلاميذ (PISA) الذي تشرفُ عليه منظمةُ التعاون و التنمية الاقتصاديين OCDE، و يقوم البرنامجُ بقياس قدرات التلاميذ ( في 15 من عمرهم) في مواد القراءة، الرياضيات و العلوم. لكن تطور كوريا الجنوبية يرجعُ كذلك لقيم العمل التي تم إرساؤها بعمق في المجتمع، بالإضافة إلى احترام التراتبية و آداب المجتمع. و هي أمورٌ سمحتْ بتأسيس تجمعات صناعية (Chaeblots) و شركات كبرى في مجال صناعة السيارات و الصناعة الالكترونية ( سامسونج ، هيونداي، ال جي..) و في الصناعات البحرية و الكيماوية. و هي ما يمثلُ 45% من صادرات البلد إلى عدة جهات من العالم من بينها العالم العربي.

البلدان العربية : ثالث شريك تجاري لكوريا الجنوبية

ترتكز توجهات الدبلوماسية الكورية-الجنوبية اليوم، على التكامل الاقتصادي، السياسي و الثقافي. و قد بلغ حجم التعاملات الاقتصادية مع البلدان العربية 110 ترليون دولار خلال سنة 2016، ما جعل من العرب شريكها التجاري الثالث. و تستورد كوريا الجنوبية، 54 و 86 % من حاجياتها للغاز و البترول من بلدان الخليج. لكن هذه الفاتورة انخفضت بفضل الاستثمارات الكورية بهذه البلدان، خاصة في المجال النووي بالإمارات و مصر على وجه التحديد. زد على ذاك قطاع السيارات و الالكترونيك و قطاع البناء و الأشغال العمومية بكل من العراق و المملكة العربية السعودية، و النقل السككي بمصر التي اقتنت مؤخرا قطارات مصنوعة بكوريا. دون الحديث عن الطاقات المتجددة و الصناعة العسكرية.

شمال إفريقيا أقل حظا

فعلى العكس من دول الشرق الأوسط، يظلّ التواجد الكوري أقل أهمية، خاصة مع حضور تركيا و الصين بالشمال الإفريقي. رغم أن المغرب أول من سارع لربط علاقات دبلوماسية و اقتصادية مع كوريا الجنوبية سنة 1962. ينضاف إلى كل ذلك توأمة مدينتي الدار البيضاء و بوزان، هذه الأخيرة تضم رابع أكبر ميناء حاويات البضائع في العالم و الذي يطمح ليصير في المرتبة الثانية من حيث إعادة الشحن Transbordement. يعبرُ عن هذا الطموح السفير المكلف بالعلاقات الدولية لمدينة بوزان :” لفد تعززت العلاقات الاقتصادية بين كوريا الجنوبية و الدول العربية باستيراد النفط و الغاز، و لا بد من أن تتطور هذه العلاقات في اتجاه شمال إفريقيا”. 

 

مترجم عن مقال للإعلامي ياسين صابر على LesEco. إثر آخر زيارة لكوريا الجنوبية.

هشام الخضير

* شاعر
* باحث في التراث و الفن و الأدب ، كاتب مقالات و مترجم.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238