ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

بانوراما

“الباتشا بازي ” صِبيةٌ راقصون و أشياء أخرى

منذ قرون و سكان آسيا الوسطى يمارسون ظاهرة الباتشا بازي، تقليدٌ قديم يُقحمُ قاصرينَ ذكورا في حفلات الكبار الماجنة. لطالما شكل “الغلمان” مظهرا للترف، حيثُ كانوا يعملون خدما و راقصين و أحيانا كثيرة يجبرون على تلبية رغبات الأسياد و الضيوف. هم في الغالب أبناءُ أسر متواضعة، غير مستقرة و ذاتِ ظروفٍ صعبة. استغلال الباتشا بازي كان في الأغلبِ تقليدا منتشرا في أقاليم الباشتون، لكنه امتد إلى الطادجيك و انتشر كالعدوى في كل بلاد الأفغان بعد سقوط حكم “طالبان” سنة 2001. القوانين الأفغانية لا تتناول الظاهرة بشكل خاص، لكن العدة التشريعية للمواثيق الدولية كانت كفيلة بمحاربة هذا الاستغلال، لولا فجوات القانون الأفغاني. لكن كل حالة من الباتشا بازي فريدةٌ و يجبُ من باب الحذر ألا ننساق وراء التعميم.

باتشا بازي يرقص في حفل.

تاريخُ الباتشا بازي

تعني باتشا بازي اللعب مع الأطفال، و الباتشا باز هو معلّمهم أو سيدهم و يمكن القول أنه مفترسهم ذاته. و امتدت التسمية لتشملَ مجموعة الأولاد الذين يتم تعليمهم الرقصَ و يُجبرون على التزيّن بزينات النساء و ارتداء قمصانهن، من أجل تنشيط حفلات الأعيان و السادة، و أُطلقَت عليهم عدة ألقاب أخرى من قبيل “هاليكون” صبيةٌ وسيمون، أو “اشنا” حُبّ الصبيان، و “باتشا باريش” صبيةٌ مُردٌ ( و الأمردُ من لم ينبت شعر لحيته بعد )، كما تمت الإشارةُ إليهم ب Chai boys أي مقدمو الشاي. و تم استخدامهم للترف و الخدمة و المتعة الجنسية.

عرّفتْ أطروحة حول الرقص و الروحانية بآسيا الوسطى هؤلاء الصبية بأنهم راقصون شباب محترفون، و هذا تقليد قديم جدا تم دراسة جوانبه الاجتماعية و الاقتصادية خلال نهاية القرن 18 و بداية القرن 19 من طرف مؤسسات أكاديمية.

رسمة للباتشا بازي
الرسام الروسي فاسيلي
نهاية القرن 18.

لكي تصيرَ باتشا بازي و تقدم عرضك الراقص أمام الباتشا باز ( السيد ) و ضيوفه، لا بد أن تكون لك تقاسيمُ وجه أنثوية، يؤكد هذا الرسم الذي أنجزه الفنان الروسي فاسيلي فيريختخاجين سنة 1867. كما يعتبر ظهور لحية على الوجه موجبا للتوقف عن ممارسة هذه المهنة المقبولة اجتماعيا بشكل مضمَر. فهي من طابوهات المجتمع.

ملاحظات تمت خلال 2006 ، أثارت المكانة الاجتماعية و الروحية للباتشا بازي، و تساءلت عن ما إذا كانت النظرةُ إليهم تتجاوز الجانب الجنسي، فهم بمثابة ” الشخص المختار” لينشر الحب، و هي وظيفة سماوية لدى البعض. يشير اوجين شايلر الصحافي و الكشافة و السياسي الأمريكي ( 1840-1890) إلى أن مصير الباتشا بازس بعد الاعتزال يظل غامضا لكنه متردد في وصف هؤلاء الصبية باللعب الجنسية.

الحالة الراهنة

إذا صح أن الباتشا بازي في الماضي مجرد تقليد احتفالي يوظف الأطفال، فقد استفحل الأمرُ مؤخرا، إذ أصبحت المتطلبات الجنسيةُ للأسياد تطغى على وظائف الصبية الراقصين. يؤكد ذلك مختص في علم الإجرام من جامعة اوتريخت. كما توضح الهيأة المستقلة لحقوق الإنسان بأفغانستان AIHRC أن الاستغلال الجنسي أصبح مرتبطا بظاهرة الباتشا بازي اليوم ، فأوضاعهم المادية و الأسرية هي التي تجعلهم مرشحين لمثل هذه الممارسات. ينضاف إلى هذه الأسباب، طبيعة المجتمع الأفغاني، مجتمعٌ أبوي، يعتبر العلاقة بين الرجل و المرأة ممنوعة قبل الزواج، الذي يأتي متأخرا في الغالب نظرا لتكلفته الباهظة، مجتمعٌ يعتبر المرأة كائنا نجسا وَجب تجنبه ما أمكن.

كما أن الهوية الذكورية تتمحور حول عملية ” الإيلاج”، مما يُفقدُ الرجل رجولته في حال ما مورس عليه الجنس، فالفتيةُ الرُّقّص، لا يملكون لحيةً و بالتالي ليسوا رجالا حقيقيين، و لا يفقدون بالتالي شرفهم. و هو ما يُخرجُ الاستغلال الجنسي للباتشا بازي من دائرة المثلية الجنسية بل يُعتبرُ مجرد خطيئةٍ من صغائرِ الخطايا.

الباتشا بازي ليسوا بالضرورة أطفالا، بل شبابا دون لحيّ ،في الغالب. و ما يرتدونه من ملابس أنثوية أو يمارسونه من جنس مع كبار السن لا ينقص منهم شيئا طالما ليسوا رجالا بعد. فهم ، في نظر المجتمع الأفغاني، لم يتعرفوا بعدُ على هويتهم الجنسية.

استفحال الظاهرة

قدّر الدكتور محمد نسيم زافار الأستاذ بمدرسة الطب بقندهار، في تصريح للوس انجلوس تايمزسنة 2002، بأن نصف الرجال بالمدينة ربطتهم علاقات جنسية مع رجال آخرين أو صِبية، في إحدى مراحل حياتهم. بينما يلزم تقرير أمريكي عن الحرب على أفغانستان سنة 2009، موقفا محايدا تجاه هذه الإحصائيات.

مستويات التمدرس لدى ضحايا الباتشا باز

لقد أجبر نظام طالبان مهذه الممارسات على العمل في سرية، لكن انهيار هذا النظام مكن تجار الغلمان من العمل في حرية مجددا. لكن الواشنطون بوست فسرت سنة 2010، عودةَ هذه الظاهرة إلى الأموال الموجهة للقوات الطاجيكية و تحالف الشمال من طرف الجهات المانحة – الأمريكية خصوصا-، دراسات جامعية كثيرة و أعمال وثائقية شددت على أن السبب في انتشار الظاهرة بشكل واسع بعود إلى عدم معاقبة الباتشا باز ( تجار الغلمان)، و منها العمل الوثائقي للمصور الصحافي الأفغاني بارات علي باتور سنة 2011.

في سنة 2014، أكد محلل سابق بالجيش الأمريكي، أن الظاهرة منتشرة بكثرة في أراضي الباشتون في شرق البلاد و جنوبها، و في أراضي الطاجيك الشمالية.

و خلال نفس السنة صدر تقرير إحصائي عن  AIHRC ، إثر دراسة استهدفت 1900 شخص منهم 31 باتشا بازي، و 36 بتشا باز، و عددا كبيرا من رجال السلطة المحلية غطت 14 إقليما من بين الأقاليم الأربعة و الثلاثين بالبلد ، أظهرت هذه الدراسة أن 42% من الباتشا بازي تتراوح أعمارهم ما بين 13 و 15 سنة، 45% أعمارهم ما بين 16 و 18 ، و 13% ما بين 19 و 25 سنة. 48% منهم لا أميّون و 78 بالمئة لا يستطيعون ارتياد المدرسة. من بينهم 68% كانوا يتقاضون أجرا و هو ما يحيلُ على دور الفقر حسب هيأة حقوق الإنسان، 81 بالمئة لا لا يرغبون في الاستمرار في تلك الممارسات.

كيف يتم استقطاب الباتشا بازي الجدد.

التداعيات الاجتماعية

الذكور أكثر عرضة للاستغلال من الإناث، و الظاهرة لا زالت مسكوتا عنها خصوصا في إقليمي قوندز و حيرات، بينما النقاشات أكثر انفتاحا بجلال اباد و كابل ، هذا السكوت يجعل الأسياد و الغلمان في منأى عن المجتمع. لكن الأسر الفقيرة تفتخرُ بأبنائها الذين نجحوا في استجلاب الشهرة و المال، حين رقصوا في حفلات كبيرة، بينما صبيةٌ آخرون لم يتعلموا و لا يمكنهم عملُ شيء آخر غير الرقص منبوذون و لابثون تحت وطأة الفقر، مجبرون على امتهان الدعارة و القوادة و تعاطي المخدرات أحيانا كثيرة حسب المصور الصحافي بارات علي باتور.

مترجم عن :

تقرير أفغانستان الذي نشره المكتب الفدرالي السويرسري المكلف بالعدل و الشرطة التابع لكتابة الدولة المكلفة بالهجرات. مارس 2017.

هشام الخضير

* شاعر
* باحث في التراث و الفن و الأدب ، كاتب مقالات و مترجم.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238