ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

وجهات نظر

دولة الرسول بين الفعل المدني والأمر الديني 4/5

حمزة الوهابي طالب باحث

لقد كانت تأصيلات علم الكلام والفقه ذات الطبيعة التركيبية تتراكم مكونة رؤيتها الخاصة حول الدولة وطبيعتها دون أن تتطابق بالضرورة مع الحوادث ولا مع النصوص كما هي، ويتعلق هذا الأمر بتسرب الإضافات الناجمة عن التفسيرات والشروح المشربة بدورها بثقافة الواقع الجديد، فضلا عن مسحة التجريد التي ترجع إلى طبيعة التنظير. و لنا أن نلاحظ الفرق بين الدولة في كتب التاريخ والدولة كما نقراها في كتب الفقه، إذ أصبح هذا الأخير يربط رسميا بين الدين والدولة، وهو لا يناقش المسالة تحت هذا العنوان “الدين والدولة ” وإنما الموضوع المناقش هو الخلافة. وفي هذا السياق نجد الماوردي يفتتح كتابه “الأحكام السلطانية” بتعريف للخلافة يجعل منها تقوم بوظيفة سياسة الدنيا وحراسة الدين، فالإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين و سياسة الدنيا، ووافقه ابن خلدون في طرحه إذ عرفها هو الأخر بأنها ” حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها …”.

فكلا التعريفين يبدأن باعتبار رئاسة الدولة منصبا دينيا معقودا بحسب الأصل للنبي والحكام من بعده هم الخلفاء له أو النواب عنه، وبهذا الاعتبار يضل الدين كامنا في طبيعة المنصب وأغراضه، وبالتالي الغرض الأول من الإمامة هو حراسة الدين الذي يسبق سياسة الدنيا ويهيمن عليها.

ومنه كان لزاما أن يتبادر إلى أذهاننا أمام هذا الاستشكال السؤال التالي: ما المدى الذي تصل إليه سلطة الدولة للتدخل في الحياة الخاصة والحريات الفردية؟ إن هذا السؤال يضعنا أمام الأزمة الراهنة للعقل السياسي المسلم، إذ يواجه هذا الأخير مشكلة الدولة الدينية في مقابل الحرية. فيجب عليه قبول النظرية السلفية بحالتها كما يقدمها الفقه السلفي، وبالتالي يكون عليه في هذه الحالة أن يتحمل أوزارها في مواجهة الحداثة ونزوع الإنسان المعاصر للحرية وهذا موقف السلفية القحة، أو يتوجب عليه الاعتراف بان الطرح السلفي تحمل مخاطر الاختلاط بالمفاهيم الثيوقراطية وتشكل عبئا على مطالب الحرية، وبأن في الإسلام كنظام نصي عام فيه ما هو أفضل مما تقدمه النظرية في هذا السياق، والنظرية ما هي إلا اجتهاد بشري لأفراد عاديين غير مؤيدين بالوحي… وهذا بعينه موقف التيارات الأقل سلفية لاسيما تيار “الإسلاميين المعتدلين المنتسبين والذي يبدي قلقا حيال وصف الدول الإسلامية بأنها دولة دينية، مستحضرا المخاوف التي تثيرها الحداثة السياسية حول هذا المصطلح انتصارا لفكرة الحرية، إلا أنه اكتفى حيال الأمر بإعطاء تبرير دفاعي مقتضب يشير إلى أن الإسلام لم يعرف الكنسية ولم يعرف حكم رجال الدين. لكن مكمن الداء هو موضوع الحكم قبل شكل الحكومة، إذ أن الدولة الدينية هي التي يتحد فيها جهاز السلطة مع النص الديني وهي المتمثلة في حكم النبي، وتكون الدولة دينية عندما تتبنى النص الديني وتستخدمه في فرض أدوات الحكم الإلزامية بما في ذلك التشريع وهذا ما هو قائم.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238