ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

وجهات نظر

دولة الرسول بين الفعل المدني والأمر الديني 3/5

حمزة الوهابي طالب باحث

يطرح العديد من الباحثين في هذا المجال وعلى رأسهم المستشار المصري عبد الجواد ياسين والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري ضرورة قراءة النصوص على ضوء التاريخ وعلى ضوء النصوص، حتى يتأتى للباحث معرفة ظروف نشأة النص وتأثير السلطة والسياسة عليه، ولذلك فإن قراءة النص القرآني على ضوء التاريخ إنما هي في الواقع قراءة في التأويل السياسي للنص الخالص.

ومن هنا إذا ما عدنا إلى النصوص التي يستخدمها بعض الأطراف في الدفاع عن قضيتنا، أي سؤال الديني و المدني في الدولة الإسلامية، سنجد أن النص قرآنا وسنة لم يحددا شكلا للدولة ولا حتى وظائفها، إنما ترك الأمر للاجتهاد البشري وأطره بضوابط عامة نلخصها في ضابطين وهما الحرية والعدل،  ويمكن استخلاص ذلك من خلال تجربة الرسول ص السياسية.

فبغض النظر عن التكوين البسيط و الشبه البدائي لدولة المدينة التي جعل لها الرسول ص دستورا سمي بوثيقة المدينة، فقد مارس أيضا صلاحيات سلطة سياسية واضحة داخل المدينة وخارجها تؤكد دوره كحاكم و سياسي إلى جوار صفته كنبي يوحى إليه من السماء. فكانت ملامح كيان سياسي جديد قد أخذت في التشكل شيئا فشيئا في أعقاب الهجرة من مكة إلى المدينة، حيث أسفرت أنشطة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية عن ترويض التعددية القبلية والدينية من خلال ترتيب العلاقات داخل المجتمع.

كما تدل مبادرة الصحابة المتمثلة في اجتماع السقيفة عقب وفاة الرسول ص على تبلور وعي بفكرة الدولة، و قد بدا ذلك واضحا من خلال مجمل النقاش الذي دار عنيفا بين عمر والأنصار و علي بعد ذلك، و الذي كان حول وراثة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاحياته السياسية وليس في صلاحياته الدينية المستمدة من الوحي، خلافا إلى ما انتهت إليه النظرية الإمامية. فقد احتج عمر بن الخطاب على الأنصار في معرض دفاعه بقوله ” من ذا ينازعكم سلطان محمد و إمارته، ونحن أوليائه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم…” وفي السياق ذاته احتج علي بن أبي طالب بقوله ” الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره و قعر بيته إلى بيوتكم وقعور بيوتكم “.

ومن خلال هذا الحوار يتبين لنا أن المسألة لم تكن دينية، أي نزاع حول صلاحيات الرسول المستمدة من الوحي، بل كانت سياسية تتعلق بسلطان محمد وإمارته في العرب وصلاحياته السياسية المستمدة من الاجتماع السياسي. وبالتالي الموضوع هو نزاع حول السلطة ومجالها، وليس الدين وإن كان سبب نشوء تلك السلطة. غير أن هذا الأمر الذي بدا واضحا عند نقاش السقيفة حول طبيعة السلطة الموروثة عن رسول الله لم تضل على ذات الدرجة من الوضوح، فرغم أن الخليفة في المنظومة السنية لم يرث عن النبي صلى الله عليه والسلم شيئا من صلاحياته الدينية ذات الصلة بالوحي إلا أن الحضور الأصلي للدين كسبب لقيام الدولة، بقي يلقي بضلاله داخل الدائرة السنية مسببا حالة من الالتباس حول طبيعة الدولة وموقع الدين منها في التاريخ الإسلامي، الأمر الذي أصبح يتفاقم بمرور الزمن بفعل التراكم الكلامي والفقهي حتى تحول في العقل السياسي الإسلامي المعاصر إلى أزمة فهم الحقيقة سواء في مواجهته مع ذاته أو في مقابل الضغوط التي تشكلها المفاهيم المعاصرة والحداثة السياسية. وبحكم العادة ظلت تأصيلات علم الكلام والفقه النظرية تسقط ذاتها على الدولة، دولة الواقع الأول التي تبدو على الطبيعة أكثر “علمانية” مما ستصير إليه عبر الشروح وتأويلات.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238