برنامج الدين والناس

تقرير خاص

فنون

هل تقبل الأديان بالفن؟

أعادت قضية مراسلة عمدة طنجة للمجلس العلمي المحلي، من أجل أخد فتوى تبيح نصب تمثالين لكل من الرحالة “ابن بطوطة” ولأسطورة الاغريقي “هرقل” بمدخل مدينة طنجة، (أعادت) للسطح العلاقة المضطربة للدين بالتجسيد والتصوير بالخصوص،  وعلاقته بالفن بصفة عامة. هذا النقاش ليس مرتبطا فقط بالدين الاسلامي، فالعلاقة بين الأديان والفن تختلف من ديانة لأخرى، بل بداخل كل ديانة كذلك، بين مذاهب تحرم وأخرى تبيح. وهذا طبعا، بغض النظر عن النقاش الذي تثيره لقطة ما من فيلم معين، أو شريط وثائقي بقناة ما، بخصوص هذه العلاقة.

الفن والدين يمتحان من نفس النبع

المفكرالإسلامي علي عزت بيغوفيتش، في كتاب الاسلام بين الشرق والغرب،  يعتبر أن الدين والفن يشتركان في القضية نفسها، قضية الإلهام الإنساني المعبر عنها بطرق مختلفة. وأنهما يشتركان في الوحدة المبدئية لجذورهما. فالدراما، مثلا،  ذات أصل ديني، سواء من ناحية الموضوع، أو من ناحية التاريخ. فمثلا كانت المعابد هي المسارح الأولى بممثليها وملابسها ومشاهديها. وكانت أوائل المسرحيات الدرامية طقوسا ظهرت في معابد مصر القديمة منذ أربعة آلاف سنة مضت. وفي نفس الإطار، نجد أن الباحث العرابي لخضر، يرى أن بعض الناس يتوهمون أن علاقة الدين بالفن علاقة نفور وخصام، لكنها علاقة حميمية تكاملية إذ “الدين يبحث عن الحق وينهى عن الرذيلة ويحض على الفضيلة، والفن يبحث عن الجمال ويفتح أعيننا وبصائرنا على منابع الرذيلة والفضيلة معا، والعلم بهذه الينابيع من شأنه أن يقوّم سلوكنا من تلقاء نفسه بلا وعظ صريح، وهذا هو الجانب الأخلاقي من الفن”. وفي العدد 16 من مجلة دعوة الحق، يكتب توفيق حكيم ما مفاده أنه لا تنافر بين الدين والفن ما دام الفن قائما على الاخلاق، مثله مثل الدين. حيث يقول “هناك صلة بين رجل الفن ورجل الدين، ذلك أن الدين والفن كلاهما يضئ من مشكاة واحدة، هي ذلك القبس العلوي، الذي يملأ قلب الإنسان بالراحة والصفاء والإيمان.. وإن مصدر الجمال في الفن شعور الإنسان بالراحة والصفاء والإيمان.. وإن مصدر الجمال في الفن هو ذلك الشعور بالسمو، الذي يغمر نفس الإنسان، عند اتصاله بالأثر الفني.. من أجل هذا، كان لابد للفن أن يكون مثل الدين، قائما على قواعد الأخلاق. لكن هل دائما ينظر رجال الدين بعين الرضى للفن؟

العلاقة الهشة بين الدين والفن

حسب الباحث في التاريخ والاديان فرونسوا بويسبفلوغ (François Boespflug )، فعلاقة الاديان مع الفن تختلف حسب كل دين، فمثلا نجد أن الهندوسية والبوذية وحتى المسيحية الأرثدوكسية، كلها لها نظرة ايجابية للتجسيد. عكس الديانات الأخرى، خصوصا الاسلام واليهودية، والتي لا تنظر للتجسيد بمنظر الود، بل تحرمه. ويضيف الباحث أن الديانتين، الاسلام واليهودية، لا ترى ما يمنع انسانا من الركوع لتمثال.

زينب عبد العزيز تكتب أن قضية التصوير لا تخص الإسلام وحده ، وإنما تمس وتتداخل بالفعل مع الديانتين الإبراهيميتين الأخريين ، أي مع كل من اليهودية والمسيحية ، فمن الثابت تاريخياً أنه كان لكل ديانة على حدة معاركها مع تحريم التصوير ، إلا أن الصراعات الدينية والسياسية قد تداخلت وتدخلت لتغير من شكل القضية وتحصرها في الإسلام وحده. ورغم أنه لا توجد نصوص في الدين الاسلامي تحرم التجسيد والتصوير، فإننا نجد نص التحريم الصريح بالنصوص التوراتية : “لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق ، وما في الأرض من تحت ، وما في الماء من تحت الأرض” (العهد القديم، سفر الخروج، الإصحاح العشرون). ويسري هذا التحريم كذلك في المسيحية أيضاً، لا على أساس نص صريح، إنما لأن المسيحية  تعترف بالعهد القديم وتعتبر العهد الجديد استمراراً وتصويباً له ، وذلك وفقاً لما قاله السيد المسيح:“لا تظنوا أني ما جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض بل لأكمل” (انجيل متى. الاصحاح 5 . الآية 17).

العلاقة الملتبسة للإسلام بالغناء والموسيقى

ليس وحده التجسيد ما يخلق الجدل في الدين الاسلامي، بل كذلك قضية الموسيقى. فالموسيقى والغناء في الإسلام موضوع خلاف بين الفقهاء، منهم من يرى أن الإسلام أباح الغناء والموسيقى، بعيداً عن مظاهر الفساد والانحلال، لأنه لم يرد أي حديث صحيح في تحريم الغناء على الإطلاق، وبذلك فإن الغناء ما هو إلا كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن الأصل حل الغناء والمعازف بدليل أن الرسول محمد لم ينه زوجته عائشة عن سماعه، وثبت الترخيص في ضرب الدف، والدف أحد آلات المعازف، فما ثبت للدف، يثبت لغيره من الآلات قياسا بجامع الإطراب، فالأصل في الأشياء الإباحة. ويرون أن المحرم في الغناء هو تلذذ الرجل بغناء وصوت المرأة الأجنبية، ويتبع هذا الرأي جمع من العلماء أشهرهم أبو حامد الغزالي وابن حزم والسقطي والعز بن عبد السلام وابن دقيق العيد، ومن المعاصرين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي، ويرى من هؤلاء المعاصرين أنّ وجود نهضة في الفنون العربية ومنها الغنائية سواء الغناء الديني المتمثل بظهور منشدين ومغنين ملتزمين بالأحكام الشرعية، لهو دليل على أهمية الغناء الموسيقى، وأن الغناء الماجن الذي يواكبه تعرٍ وسفور ليس غناءً، بل هو فسق وفجور يحرمه الإسلام. بينما ذهب البعض على تحريم استماع المعازف جميعها باستثناء الدف، كالقرطبي وأبو الطيب الطبري وابن الصلاح، وابن القيم، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيتمي.

علي الحنيفي

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238