ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

فنون

الدين والدولة والفن.. الملحمة الكبيرة

بعد قيام الثورة الفرنسية، دخلت فرنسا مرحلة مضطربة من الناحية الاجتماعية، والسياسية، بسبب فقدان الإيمان لأول مرة، وغياب النظام السياسي الذي دبر شؤون البلاد مرحلة طويلة. وهو الأمر الذي فاجأ المفكرين والفلاسفة آنذاك، فأفردوا له مساحات مهمة من تفكيرهم، وطرحوا السؤال الكبير: كيف نعيدُ الاستقرار إلى المجتمع؟

تعددت الإجابات الفلسفية، والفكرية، على هذا السؤال الذي كان مؤرقا بحق، إذ لم يكن الوضع الفرنسي يبشر بخير، وعمت حالة كبيرة من اليأس والفوضى، وثقها المؤرخون والمفكرون في ثنايات كتبهم، تماما كما هو الحال اليوم في الشرق الأوسط.

أعتقد أن الأجوبة كانت تنحصر في ثلاثة كلمات مفتاحية دارت حولها كل النقاشات الفكرية: التربية، الدين، الفن.

ليس خافيا على أحد كيف ألهم روسو الثورة الفرنسية، التي كانت ستنطلق بعد وفاته بقليل، روسو الفيلسوف القريب من الشعب كما وصف في التاريخ الفلسفي، كان يلحظ ما آلت إليه الأوضاع الفكرية، والاجتماعية في فرنسا وسويسرا آنذاك، ليس غريبا إذن أن يؤلف في العقد الاجتماعي كحل للتسلط السياسي الذي كان سائدا حينها، لكنه في المقابل كان يلحظ الفوضى التي كانت تعم حقل الإيمان، وما عكسه الأمر من شيوع ظواهر مجتمعية لم تكن سائدة من قبلُ، الأمر الذي برر انشغاله الكبير بمفهوم التربية، فألف كتابه الكبير: في التربية، وضمنها جزءا خاصا بالدين، حاول أن يبني أسس عقيدة فطرية، تجنب المجتمع بشاعة المؤسسة الدينية، وفي المقابل، تحفظ قدرا من التماسك المجتمعي، وهو الجزء الذي نقله الفيلسوف عبد الله العروي إلى العربية، بعنوان “دين الفطرة“.

Marianne, place de la République à Paris

لم تمض إحدى عشرة سنة على وفاة الفيلوسف الكبير روسو، حتى اندلعت ثورة، وصفت بالمجيدة، مثلت مرحلة انعطافة كبرى في التاريخ الأوروبي والعالمي الحديث، تم فيها اقتلاع كل البنيات التقليدية السائدة: الدينية والسياسية معا. لقد حلت ماريان محل الملك والقسيس.

وبعد أن كان القسيس، يمنح الخلاص للمعذبين في أرواحهم، والأجوبة المطمئنة للتائهة أفكارهم، قال لهم المثقف – الذي عوض القسيس- : ليس لي جواب على أي شيء!.

عشر سنوات بعد الثورة، كانت كفيلة بإدخال اليأس إلى الروح الفرنسية، الحكم الإرهابي الذي دشنه روبسبيير Maximilien de Robespierre؛المقصلة التي لا تهدأ ليل نهار، القتل العشوائي (تم قتل حوالي 40.000 دون محاكمة)، وتصفية الحسابات، اتهام عقول علمية كبيرة بالخيانة وجرها نحو السجن والقتل، كانت ظواهر معتادة في تلك الأيام، وتقع تحت أنظار عدد من الفلاسفة الذين هالهم ما آلت إليه الأوضاع. لم يكن الفيلسوف ألكسي دوتوكفيل Alexis de Tocqueville، الوحيد الذي عاصر المرحلة، لكنه كان الأهم من بينهم، لقد كان الرجل غير مؤمن، إذ فقد إيمانه وهو لا زال شابا، لكنه كان يدركُ تماما ما كان يقوم به الدين من وظيفة كبيرة في حفظ النظام العام، وضمان قدر من التماسك والهدوء الاجتماعي، فسافر إلى أمريكا – حيث قامت ثورة أخرى-، ليعرف كيف استطاع الأمريكيون، أن ينشؤوا دولة ناجحة – بعد ثورة مجيدة- لم يُدمَر فيها الإيمان، ولم يمارس طغيانه على السياسة.

لقد كانت التجربة الأمريكية، ملهمة للفيلسوف دوتوكفيل، أشد الإلهام. فدعا إلى ترك مجال للإيمان ليمارس دوره في ضبط المجتمع، وتهدئة نفوس الناس بالإجابة على أسئلتهم الوجودية، عوض تركهم حائرين.

لكن هذا الاقتراح، لم يجد –على ما يبدو- آذانا صاغية، وسط الفورة العنيفة، كما أنه لم يكن الحل الوحيد، لقد كان الفن، يأخذ دور مؤسسة الإيمان، بخطى حثيثة وواثقة، أصبح الفنانون قساوسة القرن التاسع عشر، والفن معبد الأمة الفرنسية الجديد؛ وهو الأمر الذي يبدو واضحا مع فنان الثورة الفرنسية الكبيرة جاك لوي دافيد Jacques-Louis David، مؤسس “أكاديمية الفنون” التي أصبحت المعبر الحصري عن الذوق الفرنسي.

اقترح جاك دافيد، أن يربى الشعب على الفن، وقد انشغل بهذا الأمر طيلة حياته. بدا الأمر واضحا في لوحاته التي مرر بها رسائل سياسية كبرى آنذاك، إذ كان الرجل متشبعا بالقيم الثورية التي نادت بها الثورة الفرنسية، الأمر الذي انعكس في لوحاته الفنية، خاصة لوحته الشهيرة قسم الإخوة هوارتي Le Serment des Horaces.

Le Serment des Horaces

لقد كانت اللوحة تحمل رسائل عميقة، تدور حول موضوعين: الأُخُوة، والولاء للدولة عوض الولاء للعائلة والحزب. ليس خفيا أهمية هذين الموضوعين في السياق الفرنسي الذي كان مشتعلا آنذاك، وقد سعى الفنان الفرنسي إلى ترسيخ هذه المبادئ في نفوس الشعب عبر “ثقافة الصورة” التي لم تكن هامشية –على الإطلاق- في يوم من الأيام: لقد صنعت الصورة التاريخ.

لم تكن الموسيقى بعيدة عن اللحظة التاريخية الكبيرة، أصبحت الموسيقى الأوبرالية، الإنجيل الجديد لعصر “موت الإله”، لقد كان بتهوفن، مثالا صارخا للموسيقى المتمردة على الدين، الموسيقى التي ستنتزع حق التعبير كيفما تشاء، بعد أن ضاقت ذرعا بالغناء الغريغوي، بالنمط الباخي-الموزارتي، ستقوم لأول مرة على الأداء الفخم: مواجهة القدر، والدين، والكنيسة.

عوض الموسيقى الفدائية، المتألمة بسبب الإيمان، وروح التراجيديا، أصبحت الموسيقى متمردة – كما قال هرمان هسه-، يحضر فيها طابع التحدي والمواجهة، واضح هذا الأمر في السيموفونية الخامسة لبتهوفن، التي تطفح منها روح تحدي القدر، السموفونية الرابعة لتشايكوفسكي، والإنسان ينتصر في السيموفونية الثانية لرحمانيننوف. لقد كان التحدي إنجيل القرن التاسع عشر.

لقد كان للسياسة دورا عظيما في ظهور هذه الأعمال، واهتمامها بهذه التيمات الجديدة، انبهار بتهوفن بنابوليون، تماما كما فعل جان دافيد، كان له دور كبير في الشعور بالعظمة، مع دخول أروبا في القرن التاسع عشر عشر الفتوحات العلمية الرياضية والفيزيائية الكبيرة، والشعور بالتفوق، والقرب من فك لغز الكون بمعزل عن مؤسسة الإيمان.

عوضا عن الدين حلت الدولة، وبدلا من يسوع والحواريين، حلت الأساطير الرومانية، لقد أصبح الفن دين الأزمنة الحديثة.لم يختلف الوضع كثيرا منذ الثورة الفرنسية المجيدة، لقد أصبح الفن دين الثورات التحررية جميعها، بعد قرن ونصف من الثورة الفرنسية، ستعرف روسيا القيصرية ميلاد ثورة أخرى، لم تكن بأقل قيمة من الثورة الفرنسية، لكنها كانت بلشفية هذه المرة، أطيح بالملك والقسيس، وحلت محلهما الدولة والفن.

حين كتب ماكسيم غوركي روايته الشهيرة “الأم“، اعتبر لينين الرواية، عملا تربويا للرفاق المناضلين، والفن الرؤائي لسان الثورة البلشفية؛ سيستمر ذلك التقليد في وضع الفن تحت خدمة الثورة ابتداء، ثم الدولة لاحقا، عقودا طويلة، سخّر فيها الاتحاد السوفياتي، كل الامكانات الفنية للترويج للإديولوجيا الشيوعية. حارب السوفييت الفنون السريالية، وناصروا المدرسة الواقعية، حيث تم الإعلاء من قيمة العامل، والزعيم، والعظمة السوفييتية. ليس غريبا أن تأتي صور ستالين ولينين ضخمة مقارنة بالمصفقين له، أو الواقفين بجانبه، الزعيم هنا هو يسوع المخلص، وليس غريبا أن تحل تماثيل العمال في كل مكان، حَل العمل (المادية)، محل الدين (الروحانية).

كان الفن في الاتحاد السوفييتي وسيلة وليس غاية، وسيلة لتصدير الثورة، وترسيخ العقيدة الشيوعية، وسلطة العمال، ومحاربة ما كان يسمى بالأوهام، كالدين، والميتافيزيقا، وغيرها.

نفس الأمر ستتبعه كل الأنظمة الشمولية، في الصين المجاورة، سيقول “ماو تسي تونغ”: “المواطن الصيني صفحة بيضاء، ونحن سنكتب فيها نشاء”، تم محو الطاوية لتحل محلها الشيوعية، ومنع ذكر كونفوشيوس، ليصبح ماو الحكيم الجديد، وعوض تعاليم الطاو، أصبح الناس ملزمون بقراءة الكتاب الأحمر.

أما ألمانيا، فقد كان تسخير الثقافة والفن والإعلام لمصلحة الإديولوجيا النازية التي تتبعها الدولة، أكثر وضوحا وتنظيما، الكل يعرف وزير الدعاية الشهير يوزف جوبلز Joseph Goebbels، الذي كان يحرص على ترسيخ العقيدة النازية، بين أفراد الشعب، والشبيبة النازية، وكذا تلميع صورة ألمانيا في الخارج كقوة عسكرية ضاربة لا تقهر.

لم تكن الإديولوجيا النازية تنظر بارتياح لفكرة الإيمان التي تنظر بعين الرحمة للخلق، كان النازيون مؤمنون حد الهوس ب”البقاء للأصلح”، وهي الفكرة التي تناسب عقائدهم بخصوص تفوق العرق الآري، الأمر الذي جعل النظام النازي معاديا للكنيسة، بل وتسبب في أعمال عدائية تجاه القساوسة وممتلكات الكنيسة في عدد من المناطق.

كما لعبت السينما دورا مهما في هذا الصدد، حيث تم إخراج عدد من الأفلام، المعادية لليهود، والممجدة للفكرة النازية، كفيلم”اليهودي الأبدي” (1940) قام بإخراجه فريتز هبلر، حيث صور اليهود كطفيليات ثقافية تستهلكها الأموال والجنس. كما قام بليني ريفنستال، بإخراج فيلم “انتصار الإرادة” (1935)  الذي يمجد الحركة الاشتراكية القومية، وهتلر.

لقد كان الفن النازي، واضحا، ومباشرا، لكي يناسب طبيعة الوظيفة المنوطة به؛ من أجل ذلك، طالما احتقر النازيون الفنون التشكيلية السريالية، والمدارس التي نشأت آنذاك كالمدرسة التكعيبية وغيرها، وسماها ب”الفن المتدهور”، في معرض كبير دشنه “هتلر” شخصيا، سنة 1937، حيث عرضت فيها أعمال الفن النازي، باعتبارها الفنون الحقيقية، وفي المقابل ثم تخصيص صالة ل”الفنون المتدهورة”-في دلالة احتقارية واضحة-، ضمت أعمالا متنوعة لكبار الفنانين العالميين آنذاك كبيكاسو، وفان كوخ، وغوغان وغيرهم.

نفس الوضع طال الموسيقى؛ أعمال “فاغنر” وغيره من الرواد الألمان، كانت تلقى احتفاء ضخما في الأوساط النازية، بسبب طبيعتها القوية والملتهبة، وذات النفس المتخم بالحماسة والفخامة، وروحها القوية، التي تناسب ما كان النازيون يودون أن يلقنوه للشعب، من أجل إعدادهم للحروب “العظيمة” التي كانت تنتظرهم من أجل إعادة المجد الألماني، وبناء ألمانيا الكبرى، والسيادة على العالم.

لم يكن النازيون  يحبون كارل أورف – على سبيل المثال-، بسبب عدم وضوح انتماءه الاديولوجي أولا – وإن اعتبره بعض المؤرخين مناصرا للنازية-، لكنهم غضوا الطرف عن سيموفونيته الشهيرة “Carmina Burana”، لأسباب إديولوجية.

هل تغير الوضع كثيرا اليوم؟

إن كان القرن التاسع عشر والقرن العشرين، قد مثلا عصور انفصال الفن عن الدين، وانخراط الفن في خدمة الدولة، وإديولوجيتها الخاصة، وتحدي الإيمان، فإنه اليوم لا زال يلعب أدوارا – لا يمكن وصفها بالمهم بسبب العولمة- في الأنظمة الشمولية كروسيا والصين ومصر.

لكن الفن أصبح يتجه أكثر فأكثر نحو الالتحام من جديد بالدين، والتفكير الشمولي، عبر خدمة الجماعات التي بدأت تنشأ على أطراف الدول، الخدمات التي يقدمها الفن لحركات التمرد كمنظمة فارك، والتنظيمات الإرهابية كداعش، والقاعدة في الشرق الأوسط، وجيش الرب في أوغندا، وكذلك الجماعات العنصرية في أوروبا وأمريكا وافريقيا، أصبحت تثير القلق بشكل متزايد، فهل سنشهد انعطافة تاريخية جديدة؟

عبد الرحمن الزعتري

مدير مركز الميزان للدراسات والأبحاث، يحضر لأطروحة الدكتوراه في تاريخ المنطق وأصول التشريع الإسلامي. له عدة مقالات وأبحاث منشورة أو قيد النشر.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729