ملف السلفية الوطنية

برومو الميزان

برنامج الدين والناس

تقرير خاص

فنون

الفن..خير وقاية من فيروس التطرف

عند سماعنا للعدد الكبير من الشباب، الذين تم استقطابهم من طرف الجماعات المتطرفة نعاود الجدل حول دور المحيط الذي نشأوا فيه، وعلاقته بشيوع التطرف. بعضنا يرى أن غياب الأنشطة التي تحفز على الإبداع سواء ثقافية كانت أو فنية لها دور في ميل شبابنا نحو الحركات المتطرفة مثل داعش وغيرها، والبعض الآخر-ومن بينهم الشيوخ والدعاة-يعتبرون أنالحديث عن الفن بشتى أنواعه في خضم قضية شائكة ومعقدة مثل الإرهاب إنما هو لغو ومضيعة للوقت، وليست له أية منفعة، بل منهم من يعتبره”معصية”.

شخصياً أميل للرأي الأول الذي يرى أن الفن سلاح مهم في حربنا ضد الإرهاب، وأعتقد أن لغيابه عن فضائنا العام دوراً في انزياح شبابنا نحو فكر أحادي لا يرى الحقيقة إلا من منظوره الخاص، ويُقصي كل من يخالفه. وبالطبع لا يمكن لعاقل أن يقول إن الفن سلاح فعّال في الجبهة أثناء المواجهة المباشرة مع الإرهاب، فلا يمكن أن تحمل كتاباً أو فيلماً أو لوحة في مواجهة بندقية!، في ميدان المعركة لا يقابل السلاح إلا بسلاح من نفس نوعه. أما الفن فميدانه هو المجتمع ذاته، ووظيفته هي الوقاية المبكرة من فيروس الإرهاب ومنعه من النمو في عقول الشباب. كيف ذلك؟

من طبيعة الفنون أنها ذات رؤى متعددة، وأصوات مختلفة، كل واحد منها يخالف الآخر ويسائله ويحاوره. عندما تشاهد فيلماً يدين الكراهية تجاه الآخر فستجد فيلماً آخر يدينها، لكن من منطلقات مختلفة، وعندما تشاهد فيلماً يتناول حالة إنسانية من منظور معين ستجد فيلماً آخر يتناول نفس الحالة من منظور آخر. من هذا التباين البسيط سينشأ نوع من الحوار الداخلي في عقلك يوازيه حوار خارجي بينك وبين بقية المتفرجين حول الرؤى المختلفة التي احتوتها هذه الأفلام، وستأتي آراء النقاد لتعزز حالة الحوار المثمر وتثمنها بأبعاد إضافية، وقس على ذلك بقية مجالات الإبداع.
الفنون بطبيعتها إشكالية ومستفزة وتثير حالة جدلية مستمرة، وتتصادم فيما بينها في أساليبها التعبيرية وفي مضامينها. وإذا توفرت لها بيئة صحية، ومناخ ملائم، فإن أصواتها تتكاثر وتتعدد وتتنوع بتنوع اتجاهات وأفكار المبدعين الذين يقفون خلف إنتاجها. هذا التنوع إذا وضعته أمام المتفرج فإن أبسط نتيجة تظفر بها أن هذا المتفرج سيتورط في حالة الجدل التي تثيرها الأعمال الفنية وسيمتلك مَلَكَة “النقد” التي ستحميه من الانجراف خلف الرأي الواحد وسيجد نفسه شيئاً فشيئاً أكثر فهماً للاختلاف، وأكثر تقبلاً لوجود أصوات أخرى تختلف معه في أفكاره وقناعاته.

للفنون آثارها الجمالية والتعبيرية الواضحة وضوح الشمس،لأنها تشيع قيم التسامح والتفاهم وتنوير الشباب من أجل قبول الآخر، مهما كان نوع هذا الآخر. لهذا لم نسمع يوما أن هناك شاب له مواهب فنية أو عشق للفنون أنه تطرف أو حاول الالتحاق بإحدى الجماعات الإرهابية. وإذا ما توفرت المساحة الفنية بشكلها الصحيح الكامل الذي يضمن حرية الفنان ويدعم المواهب الشابة خاصة في الأحياء المهمشة، والسماح بالحوار الإبداعي فإن هذه المساحة ستكون ميداناً مهماً لتدريب الناس على قبول الأصوات المختلفة، وهذه نقطة مهمة في حربنا مع التطرف، إذ عندما يؤمن الناس بحق المختلف في الوجود، ستتلاشى ذهنية التطرف بنسبة كبيرة.
في بيئتنا المحلية، حيث لا وجود لتعدد الرؤى، نحتاج إلى تدريب الشباب على ممارسة القيم الإنسانية وتطبيقها بعد الاقتناع بها. قيمٌ مثل التعايش والتسامح وقبول الآخر لا تأتي عن طريق الوعظ في محاضرة أو ندوة، ولا تتحول إلى سلوك واقعي إلا بالممارسة والتدريب، وهذا لا يتحقق إلا عبر الفضاء الإنساني الذي تخلقه المجالات الإبداعية، وعلى رأسها المجال الفني.

لو كان شبابنا شغوفا بالسينما أو المسرح، أو زيارة المعارض الفنية، مع أهله أو أصدقائه ليرى فيها أعمالا تستفزه وتتحداه أو حتى توافق هواه، ويدخل معها في حوار داخلي، ثم يُتبعه بحوار مع المحيطين به، ويكون هذا سلوكه منذ طفولته، فإن احتمال ميله نحو التطرف سيقل بنسبة كبيرة جداً، وسيكون أكثر إنسانية وتعاطفاً وتفهماً للآخر. وإذا أضفت لهذه الفائدة، بقية التأثيرات النفسية التي تتركها الأعمال الفنية في داخل الإنسان من بهجة ونشوة وحب للحياة والجمال، فإن الرأي الأول الذي يطالب بعودة الفنون إلى فضائنا العام يصبح أكثر وجاهة.

عبد الباسط الحمدوني

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-includes/functions.php on line 3729