برنامج الدين والناس

تقرير خاص

اصدارات

كيف يتكون الدين؟

صدرت عن دار جداول الترجمة العربية الثانية لكتاب Religion in the Making للفلسوف الإنجليزي الشهير ألفرد نورث وايتهيد (1861 – 1947) Alfred North Whitehead بعد مرور أكثر من 90 سنة على صدور النسخة الإنجليزية على يد الباحث اللبناني المرموق رضوان السيد. واختار لها الدكتور عنوان كيف يتكون الدين؟ فيما صدرت الترجمة العربية الأولى سنة 1985 على يد الدكتور وليم فرج حنا.

أول: ما يلفت في الأمر هو أن وايتهد أصدر كتابه سنة 1926، عن عمر يناهز 66 سنة. وهو نفس العمر الذي قرر فيه رضوان إصدار الترجمة العربية! ثانيا: أن وايتهد ينتمي للتقليد التحليلي التطوري، بينما يدافع السيد عن تقليد الإسلام الرسمي في تعدديته ومؤسساته. وثالثا: التقديم المرفق بالترجمة له دلالته الخاصة عند رضوان السيد، وهو نهج لا محيد له عنه حتى في تحقيقاته.

يثير وايتهد في كتابه مسألة العقيدة وحدودها، في كل من الدين، والميتافيزيقا. كما يدرس الكيفية التي يبني بها الدين رؤية شاملة للعالم باعتباره حيزا لمجموعة من ‘الحقائق’. وإذا كان الفرد، بحسب وايتهد، في قلب اهتمامات الدين فإن علينا أن نتذكر تمييزه (أي الدين) بين سلوك الفرد وما عليه أن يفعله، وبين طبائعه وغرائزه. إذ يرى وايتهد أن الدين لا ينفي أن طبائع المرء جزء جوهري من شخصيته، لكنه يمنيه بإمكانية تغيرها وتحسنها في نسق اجتماعي تربطه بأفراده شبكة من العلاقات، والاحتكاكات اليومية.

يعرف وايتهد الدين بكونه: “ما يقوم به الفرد في وحدته الخاصة” (ص 16، النسخة الإنجليزية). والمقصود بـالوحدة عند وايتهد كما يفسرها هيرشتاين Gary L. Herstein هي مجموع علاقات الفرد في/ وتجاه العالم. لأن الوحدة لا ترتفع عن الفرد بمجرد كونه يعيش داخل مجتمع. بل تبقى ملازمة له خاصة في علاقته بالعالم. وهي ما يصطلحعليه فلاسفة آخرون بالوحشة والاغتراب..وغيرها. كما لا يمكن فهم هذه الوحدة بمبعد عن تاريخ إقامة الإنسان في العالم.

الهدف من فكرة الإله، بحسب وايتهد، هو “تحقيق القيمة في العالم الزماني” (ص100) بوصفها شيئا متأصلا وملازما لوجود الإنسان، وفكرة العالم. ويشدد وايتهد على تجنب الاستعمال البراغماتي للقيم، واعتبارها أشياء مفروضة بضرورات الانتظام والاجتماع الإنساني. وهذه هي الفكرة التي نجدها متأصلة في التراث الإسلامي، خاصة في شقه الروحي والأخلاقي، تحت مسمى
. التي شدد العلماء والمتصوفة على ضرورة انبناء الأخلاق عليها.

غير أن وايتهد لا يتحدث عن قيم بعينها، مناشدا تحقيقها أو التخلق بها، بل ما يهمه هو دراسة كيفية نشوءها عند الفرد في “وحدته الخاصة”. لأن الدين يُلزم بتحقيق القيمة التي تنشأ نتيجة التفاعل بين أفراد جماعة ما في العالم الموضوعي، الذي يبدو باردا وجامدا ومحايدا، مهما اختلفت الظروف المكانية والزمانية، وبذلك يصبح الدين في تعريفه الأخير والموجز، عند وايتهد، ليس أكثر من ولاء للعالم (Religion is world-loyalty) (ص 60). هذه الفكرة الإيجابية التي أتى بها الدين للانخراط في العالم، والاندماج فيه، وتسهيل صعوبة العيش فيه، هي التي تؤدي إلى بعض الانسدادات والأزمات. وذلك حينما يصبح الولاء للعالم ولاء شخصيا، أو ولاء جماعة بعينها دون غيرها.

 

 

أنس أنجار

طالب باحث (شعبة الفلسفة)، ماستر "فلسفة الدين والسياسة والتواصل"، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-بنمسيك، جامعة الحسن الثاني.

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238