برنامج الدين والناس

تقرير خاص

اصدارات

النصيحة السياسية بين الآداب السلطانية ومرايا الأمراء

احتضنت قاعة الندوات بمؤسسة آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، في إطار أنشطتها الثقافية والعلمية التي تخص  الفضاء المغاربي، ضمن برنامج “كتاب ومؤلف” لقاءاً علميا حول كتاب النصيحة السياسية: دراسة مقارنة بين آداب الملوك الإسلامية ومرايا الأمراء المسيحية، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود في يناير الماضي لكاتبه الدكتور عز الدين العلام، المختص في تراث الإسلام السياسي. حيث قام الدكتور محمد الصغير جنجار بتسيير اللقاء وتقديم الكتاب، فيما قدم الدكتور عادل حدجامي قراءة نقدية للكتاب.

وبعد التقديم المركز لمضامين الكتاب، وعرض مبسط للإشكالات التي عالجها، أعقب ذلك مداخلة لأستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط؛ الدكتور: عادل حدجامي، الذي وزع قراءته النقدية للكتاب إلى جانبين اثنين: جانب منهجي، وجانب أيديولوجي.

لا يتفق الدكتور عادل مع صاحب الكتاب في الجانب المنهجي نظرا لانتهاجه لخطية تاريخانية تؤمن بمبدأ التراكم المعرفي في التراث السياسي. وهو ما لا يستقيم إذا التفتنا إلى ‘القطائع’ المعرفية التي تحدث خارج النسق السياسي، ولكنها تؤثر عليه أيما تأثير. إذ يرى حدجامي أن الطفرات الاقتصادية والعلمية (في الكوسمولوجيا، وفي الطب..) تتدخل في تشكيل السياسات التي تنهجها الدولة تجاه مواطنيها/رعاياها، كما في تصور الناس للأسلوب الذي على الدولة معاملتهم وفقا له.  لذلك لا ينبغي معاملة التراث السياسي -الإسلامي والمسيحي- كخطاب مغلق، لأنه يتأثر بما يحدث خارجه من قطائع.

أما في الجانب الأيديولوجي، وهو ما أفاض الدكتور في تناوله، فمؤاخذاته عليه كثيرة؛ فإذا كان الدكتور العلام يرى أن مرايا الأمراء طورت من خطابها ومفاهيمها، الأمر الذي جعلها عاملا ممهدا لظهور الدولة الحدثية في أوروبا، بخلاف ما وقع في السياق الإسلامي. فإن الدكتور عادل يرى أن هذا الحكم في حق الآداب السلطانية حكم مجحف. لأنها -برأيه- صاغت الخطاب الملائم للسياق الاقتصادي والسياسي الذي عاشه كتابها. وهو سياق حكمته الثنائيات في جميع مستوياته (الأرض/ السماء. الخير/ الشر. الكفر/ الإيمان..)، بالتالي فلا لوم على كتاب الآداب السلطانية إن هم آمنوا بأن بعض الناس أنبل من بعض، إذ لم يكن من الممكن الخروج عن هذا السير “الطبيعي” للأشياء، وبالتالي لم يكن من الممكن أن تقوم عندهم الثورات، لأن التراتبية التي حكمتهم كانت تراتبية وجودية يؤمنون بها بشكل عميق. لهذا فالملك، عندهم، ملك بإرادة إلهية، وهو ما لم يكن من الممكن الاحتجاج عليه.

كما أن الملك/ الحاكم، في العصور الوسطى، كان يتمتع بحق حصري لا ينازعه فيه أحد، وهو حق الإحياء والإماتة. وقد ساق على ذلك مثال تمكّن الموحدين من المرابطين، حيث أن عفو الموحدين عن كل من تمكنوا منهم، بعد أن كان بإمكانهم إبادتهم جميعا، هو ‘تمديد’ في حياة هؤلاء المُتَمَكّنِ منهم. كما ساق مثال أبو العباس السفاح الذي أباد الأمويين عن آخرهم، بعد أن تغلب عليهم. إذن فالحاكم القديم هو، بحسب الدكتور عادل، هو من له حق الإبادة والإحياء لكل من يقع تحته من الرعايا. بالتالي فلم يكن من الممكن إلا تمجيد هذا الحاكم، ونظم القصائد في مدحه.

ولن تتغير هذه الرؤية الوجودية للعالم إلا بعد أن تتغير الرؤية الكوسمولوجية إليه مع سقوط منظومة بطليموس الفلكية، حيث صار العالم لا نهائيا بعد أن كان محدودا، وانفتح فضاء المحايثة، وصار كل شيء على بساط واحد. وأثبت الطب أن الناس سواسية في تركيبهم الفيزيولوجي، وبالتالي فلا أساس للمفاضلة بينهم. آنذاك فقط آمن الناس أنهم سواسية. وصارت الديمقراطية ممكنة.

لهذا لا يجوز، برأي الدكتور حدجامي، إسقاط الحاضر على الماضي وينبغي في مقاربة الأمور التاريخية “الإحجام عن إصدار الأحكام” بحسب قوله. وهو ما جعله يلوم الدكتور عز الدين على “الروح النضالية” التي كانت تسري في الكتاب، وهو ما اعترف به الدكتور في تعقيبه. لأن هذا يستدعي العديد من المقارنات بينها وبين ما كتبه ما كيافيلي لاحقا بعد قرون من مرايا الأمراء.

أما في ما يخص السياسة الشرعية التي ألف فيها ابن تيمية وابن حزم وغيرهم، والتي تعرض لها الدكتور العلام في سياق تعقبيه على المداخلات التي تلت ورقة حدجامي، فلا تدخل بحسب رأيه في التراث السياسي، وإنما في ما يسمى الآن بـ القانون المدني، أي في الجانب التشريعي المتعلق بالعقوبات التي كانت تستمد من الشريعة والأحكام الفقهية المتفرعة عليها.

تناول الحضور، والمتدخلون الأساسيون العديد من النقاط التي أشرنا إلى أهمها في هاته المتابعة المركزة، لكن العديدة من الأسئلة المهمة بقيت عالقة في انتظار من يجيب عليها أو يفكر فيها من قبيل: ألم تكن الآداب السلطانية مكيافيلية في منطقها؟ وبالتالي فهل يقع اللوم عليها أم علينا (لأننا لم نطور فكرا يلائم سياقنا وعصرنا)؟ و لمن كانت تُكتب هاته الآداب؟ من كان يقرأها؟ وما مدى تأثيرها؟ وهل يمكن أن ندرجها في خانة “الفكر السياسي”؟ وغيرها من الأسئلة المهمة التي تحتاج للمزيد من الجهود العلمية الرصينة من أجل فهم أعمق للتراث السياسي الإسلامي.

 

 

اترك تعليق
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الميزان وإنما تعبر عن رأي أصحابها

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz

Notice: Trying to get property of non-object in /home/clients/ac0ef93519babf65823d854023856a96/almz/wp-content/plugins/jetpack/modules/gravatar-hovercards.php on line 238